ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة (وسيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء اللّه تعالى) .ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي اللّه عنه - إلى أطراف الشام لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين! ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض. ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية.
إن «الحروب الصليبية» المعروفة بهذا الاسم في التاريخ، لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام .. لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير .. لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد ..
منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة.
ثم بعد ذلك في «مؤتة» .ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة .. ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيرا من قبل .. وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم ولا تراعي في المسلمين إلّا ولا ذمة.
ومما جاء في كتاب «حضارة العرب» لجوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي:
«كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين، ثلاثة آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم. ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل، الذي رحم نصارى القدس، فلم يمسهم بأذى، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد، أثناء مرضهما» [1] .
(1) - نقلا عن كتاب: «الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام» للأستاذ علي علي منصور.