وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الصَّغَارَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ وَيُضْرَبَ.
وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْعَبُوا فِي الْجِزْيَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهُمْ وَلَا تَكْلِيفَهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ وَإِذْلَالَهُمْ.
قُلْتُ: لَمَّا كَانَتْ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى احْتَرَزَ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ، وَأَخَذُوهَا عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُ الْمُعْطِي السُّفْلَى وَيَدُ الْآخِذِ الْعُلْيَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أَعْمَالَ السُّلْطَانِ وَيَظْهَرُ مِنْهُمُ الظُّلْمُ وَالِاسْتِعْلَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذُ الضَّرَائِبِ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَأَنَّ دِمَاءَهُمْ مُبَاحَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالذُّلِّ.
وَهَذَا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْقَاضِي مِنْ أَصَحِّ الِاسْتِنْبَاطِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَدَّ الْقِتَالَ إِلَى غَايَةٍ وَهِيَ إِعْطَاءُ الْجِزْيَةِ مَعَ الصَّغَارِ، فَإِذَا كَانَتْ حَالَةُ النَّصْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ مُنَافِيَةً لِلذُّلِّ وَالصَّغَارِ فَلَا عِصْمَةَ لِدَمِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَمِنْ هَاهُنَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الشُّرُوطَ الَّتِي فِيهَا صَغَارُهُمْ وَإِذْلَالُهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَتَى خَرَجُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فَلَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا ذِمَّةَ، وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالْمُعَانَدَةِ." [1] ."
(1) - أحكام أهل الذمة (1/ 119)