وقال ابن القيم:"وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ جِزْيَةً إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ (سُورَةِ بَرَاءَةٌ) فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ، وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَخَذَهَا مِنَ النَّصَارَى، وَبَعَثَ معاذا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَعَقَدَ لِمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ يَهُودِهَا الذِّمَّةَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ، فَظَنَّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ الْمُخْطِئِينَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا مِنْ عَدَمِ فِقْهِهِ فِي السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاتَلَهُمْ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ وَلَمْ تَكُنِ الْجِزْيَةُ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَسَبَقَ عَقْدُ صُلْحِهِمْ وَإِقْرَارُهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ نُزُولَ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا يَهُودُ خَيْبَرَ إِذْ ذَاكَ، لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ قَدِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِمْ، وَأَنْ يَكُونُوا عُمَّالًا فِي الْأَرْضِ بِالشَّطْرِ، فَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ وَطَالَبَ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَقْدٌ كَعَقْدِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، كَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا أَجْلَاهُمْ عمر إِلَى الشَّامِ، تَغَيَّرَ ذَلِكَ الْعَقْدُ الَّذِي تَضَمَّنَ إِقْرَارَهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ، وَصَارَ لَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ." [1]
وَيَقْصِدُ مَجُوسَ الْبَحْرَيْنِ [2] أَوْ مَجُوسَ هَجَرَ. [3]
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاَءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا
(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 137)
(2) - كان المراد بالبحرين في ذلك العهد ما بين عمان إلى البصرة (معجم البلدان لياقوت 1/ 347،وتهذيب الأسماء 3/ 37،واللسان 1/ 66) .
(3) - هجر (بفتح الهاء والجيم) :اسم بلد بالبحرين، وتعتبر هجر قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر. (معجم البلدان 5/ 393) .