الخلاصةُ
في أحكام الحديثِ الضَّعيفِ
إعداد
الباحث في القرآن والسُّنَّة
علي بن نايف الشحود
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،وصفيُّهُ وخليلهُ،خيرُ نبيٍّ مرسلٍ،وأكرمُ شافعٍ مفضَّلٍ،صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ البدورِ الكُمَّلِ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.
وبعدُ:
لا خلاف بين جمهور السلف والخلف على أن السُّنَّة النبوية تأتي من حيث المرتبة بعد القرآن الكريم،قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7 ) سورة الحشر.
وهي إما مؤكدة للقرآن الكريم،أو مبينة لمجمله،وموضحة لمبهمه أو مخصصة لمطلقه،أو مقيدة لعامِّه،أو زائدة عليه .
والسُّنَّة- بشكلٍ عامٍ - تنقسمُ إلى متواترة وإلى أحادٍ،وإلى ضعيفةٍ،وإلى متروكة وموضوعةٍ
أمَّا السُّنَّة المتواترةُ-الحديث المتواتر- فلا خلاف في العمل بها،والاعتقاد بموجبها على تفصيلٍ في ذلك.
وأمَّا السُّنَّة الآحاديةُ (حديثُ الآحاد الصحيح ) - وهيَ كلُّ خبرٍ صحيحٍ وحسَنٍ،لم يبلغ درجة التواترِ - فقد اتفق العلماء على وجوب العمل بها،ولكنهم اختلفوا في كونها تفيد القطع واليقين أم لا ؟ .
وأمَّا السُّنَّة الضعيفةُ ( الحديثُ الضعيفُ ) - وهي التي لم تبلغ درجة الصحيح ولا الحسن بشِقَّيهِ- فقد اضطربتِ الأقوالُ حولها ما بين محتجٍّ بها مطلقًا،وما بين مانعٍ،وما بين مفصِّل .
وأمَّا المتروكة والموضوعةُ،فقد اتفقَ العلماءُ على منع العمل بموجبها،والمنع من روايتها إلا على سبيل التحذير منها .
وفي عصرنا هذا تباينت الآراء تباينًا عجيبًا،فترى كثيرا من الوعاظ وطلاب العلم يروي ما هبَّ ودبَّ دون تثبتٍ من صحةِ ما يروي،بحجة أنَّ الحديث الضعيف يستحبُّ العملُ به في فضائلِ الأعمال - دون تمييز بين الضعيف ضعفًا يسيرًا،والواهي والساقط والمتروك،بل والموضوع أيضًا -.
وهذا يدلُّ على عدم درايتهم بأقوالِ العلماء في هذا الموضوع الخطير.
وبالمقابل وجدَ قومٌ منَ المنسوبين للعلم يمنعونَ العمل بالحديث الضعيف مطلقا،دون تمييز بين الضعيف ضعفًا يسيرًا،وبين الشديد الضعفِ،بل واعتبروه كالموضوع تمامًا،محذِّرينَ الأمة من خطر الأحاديث الضعيفة والموضوعة،ضاربين بأقوال العلماء المعتبرين- في هذا الفنِّ - عُرْضَ الحائط،بل ضعَّفوا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة والحسنة بحجة المحافظة على السُّنَّة،وخالفوا جمهورَ السَّلَفِ والخلَفِ في الجرح والتعديل،وحشروها في زمرة الأحاديث الضعيفة الموضوعة،وحذروا الأمة منها،ورموا من يعملُ بها بالابتداع في الدِّين،واتباع غير سبيل المؤمنين !!.
وبالرغم من كثرة البحوث العلمية في هذا الموضوع،إلا أنني لم أجد بحثا يشفي الغليل،ويزيح النقاب عن هذه الإشكالات الخطيرة بين هذه الأطراف المتنازعة .
وقد بحثتُ بعض هذه القضايا في رسالتي (حكم العمل بالحديث الضعيف ووجوب العمل بالصحيح ) والتي قد كتبتها منذ قريب العشرين سنة .
وقد نفذتِ الطبعة الأولى منها،ثم أعدت البحث فيها بشيء من التفصيل والإسهابِ،نظرًا لخطورتها البالغة،وقد رأيت فصل الكلام عن الحديث الضعيف بكتاب مستقل،وسميته ( الخلاصةُ في أحكام الحديث الضعيف )
وقد قسمته للموضوعات التالية:
تمهيد حول تعريف الحديث المقبول وحكمه
المبحث الأولُ: تعريفُ الحديث الضعيف ...
المبحث الثاني: أقسامُ الضعيف وتحته مطالب ...
المبحث الثالث: أَوْهَى الأسانيد
المبحث الرابع: حكُم رواية الحديث الضعيف ضعفا يسيرًا
المبحث الخامس: متى يقوَى الحديثُ الضعيفُ ؟
المبحث السادس:حكمُ العملِ بالحديثِ الضعيف
المبحث السابع: أمثلةٌ للحديث الضعيف الذي يجوزُ العملُ به في الفضائل بالشروط
المبحث الثامن: سببُ الأخذ بالحديث الضعيف
المبحث التاسع: كيفَ يُروَى الحديثُ الضعيفُ ؟ ...
المبحث العاشر: الجوابُ عن روايةِ بعض كبار الأئمةِ عنِ الضعفاءِ
المبحثُ الحادي عشر: مسائلُ تتعلقُ بالحديث الضعيف
المبحث الثاني عشر: مصادرُ الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة والصحيحة
خاتمة فيها خلاصة هذا الموضوع
هذا وقد ذكرت كل مصدر في الهامش في الأغلب،والأحاديث قمت بتخريجها من مصادرها باختصار وحكمت على الأحاديث التي ليست في الصحيحين بما يناسبها جرحا وتعديلا .
ولم أسلك مسلك المتشددين،ولا مسلك المتساهلين في هذا الأمر،بل سرت وفق المنهج الوسط الذي سار عليه جمهور السلف والخلف .
وقد اضطررت للإسهاب في بعض القضايا لتجلية الأمر أو للرد على الشبهات المثارة حوله . فإن أصبت فمن الله الفضل والمنَّة،وإن أخطأت فمن تقصيري وأستغفر الله .
قال تعالى: { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا } (83 ) سورة النساء
وكتبه
الباحث في القرآن والسُّنَّة
علي بن نايف الشحود
24 ربيع الآخر 1429 هـ الموافق ل 30/4/208 م
تمهيدٌ
حول تعريف الحديث المقبول [1]
لغةً: الصحيحُ ضد السقيم،وهو حقيقةٌ في الأجسام مجازٌ في الحديث وسائر المعاني.
اصطلاحًا: ما اتصل سنده بنقل العَدْلِ الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا عِلَّة. [2]
اشتمل التعريف السابقُ على أمور يجب توفرها حتى يكون الحديث صحيحًا،وهذه الأمور هي:
اتصالُ السند:ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة وهكذا إلى أن يبلغ التلقي قائله. فخرج بذلك المرسل والمنقطع بأي نوع من أنواع الانقطاع.
لأنه إذا لم يكن متصلا فمعناه أنه سقط من سنده واسطة أو أكثر،ويحتمل أن يكون الواسطة المحذوف ضعيفا،فلا يكون الحديث صحيحا.
عدالةُ الرواة: وهي ركن هام في قبول الرواية،لأنها الملكة التي تحث على التقوى،وتحجز صاحبها عن المعاصي والكذب وما يخل بالمروءة،فخرج بهذا الشرط الحديث الموضوع،وما ضعف لاتهما الراوي بالفسق والإخلال بالمروءة،أو غير ذلك...
ضبطُ الرواة: الضبط ومعناه أن يحفظ الراوي الحديث في صدره أو كتابه،ثم يستحضره عند الأداء،وهذا الشرط يستدعي عدم غفلته،وعدم تساهله عند التحمل والأداء،إلى آخر ما ذكرنا في أبحاث الضبط وفي علوم الرواية.
عدمُ الشذوذ: والشذوذ هو مخالفة الراوي الثقة لمن هو أقوى منه لأنه إذا خالفه من هو أولى منه بقوة حفظه أو كثرة عدد كان مقدما عليه،وكان المرجوح شاذا. وتبين بشذوذه وقوع وهم في رواية هذا الحديث.
والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة،لكنهم صرحوا بانتفائه لأن الضبط ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي،إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما،دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه،فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط،لذلك صرحوا بنفي الشذوذ.
عدمُ العلة: ومعناه سلامة الحديث من علة تقدح في صحته،أي خلوه من وصف خفي قادح في صحة الحديث والظاهر السلامة منه،فخرج بهذا الشرط الحديث المعلل،فلا يكون صحيحا... [3]
3-شروطُه: يتبينُ من شرح التعريف أنَّ شروط الصحيح التي يجب توفرها حتى يكون الحديثُ صحيحًا خمسةٌ وهي: { اتصالُ السند ـ عدالةُ الرواة ـ ضبطُ الرواة ـ عدمُ العلة ـ عدمُ الشذوذ } .
ووجه دلالة هذه الشروط الخمسة على صحة الحديث: أن العدالة والضبط يحققان أداء الحديث كما سمع من قائله،واتصال السند على هذا الوصف في الرواة يمنع اختلال ذلك في أثناء السند،وعدم الشذوذ يحقق ويؤكد ضبط هذا الحديث الذي نبحثه بعينه وأنه لم يدخله وهم،وعدم الإعلال يدل على سلامته من القوادح الظاهرة،فكان الحديث بذلك صحيحا لتوفر عامل النقل الصحيح واندفاع القوادح الظاهرة والخفية. فيحكم له بالصحة بالإجماع.
مثالُه: ما أخرجه البخاري في صحيحه [4] : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ .
فهذا الحديثُ صحيحُ لأنَّ:
أ. سندَهُ متصلٌ: إذْ أنَّ كلَّ راوٍ من رواته سمعه منْ شيخه .
وأمَّا عنعنةُ [5] مالك وابن شهابِ وابن جبيرٍ فمحمولةٌ على الاتصال،لأنهم غير مُدَلِّسِيْنَ.
ب. ولأنَّ رواتَه عدولٌ ضابطونَ: وهذه أوصافهم عند علماءِ الجرحِ والتعديلِ:
عبد الله بن يوسف: ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ [6]
مالك بن أنس: إمامُ دار الهجرة رأس المتقنين وكبير المتثبتين حتى قال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر. [7]
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري: فقيه حافظٌ مٌتَّفقٌ على جلالته وإتقانه. [8]
محمد بن جبير: ثقة عارف بالنسب. [9]
جٌبَير بن مٌطْعِم: صحابي عارف بالأنساب . [10]
ج. ولأنه غيرُ شاذٍّ: إذ لم يعارضْه ما هو أقوى منه .
د. ولأنه ليس فيه علةٌ منَ العللِ .
أجمعَ العلماءُ من أهل الحديث ومن يعتدُّ به من الفقهاء والأصوليين على أنَّ الحديث الصحيح حجةٌ يجبُ العملُ به , سواءٌ كان راويهِ واحدًا لم يروه غيرُه , أو رواهُ معه راو آخر, أو اشتُهرَ بروايةِ ثلاثةٍ فأكثرَ ولم يتواترْ .
وهذا أمرُ بدَهيٌّ في نظرنا تقضي به الفطرةُ الإنسانيةُ،لا يحتاجُ إلى كثيرٍ منَ الاستدلالات والبراهين،فما منْ إنسانٍ إلا وهو يُعوِّلُ في إبرامِ شؤونهِ في العملِ أو التجارةِ أو الدراسةِ أو غيرِها على ما يخبرُه بهِ واحدٌ موثوقٌ منَ الناسِ حيثُ يقعُ في نفسهِ صِدْقُ المخبرِ،ويغلبُ على احتمال الغلط أو احتمالِ الكذبِ،بل إنَّ الشؤون الكبرى في مصير الأمم يعتمدُ فيها على أخبارِ الآحاد الثقاتِ كالسفراءِ أو المبعوثينَ من قبلِ الحكوماتِ،فالتوقفُ عن قبولِ خبرِ الواحدِ يُفضي إلى تعطيلِ مصالحِ الدين والدنيا .
ومعَ اتفاقِ العلماءِ على وجوبِ العملِ بالحديثِ الصحيحِ الأحاديِّ في أحكامِ الحلالِ والحرامِ فقدِ اختلفوا في إثباتِ العقائدَ ووجوبِها بهِ, وقد أفردناه ببحث مفصل.
5-الحديث الحسن [11] : هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه غير شاذ ولا معلل .
وبالموازنة بين هذا التعريف،وبين تعريف الحديث الصحيح،نجد بينهما تشابها كبيرا،حيث اتفقا في سائر الشروط عدا ما يتعلق بالضبط،فالحديث الصحيح راويه تام الضبط،وهو من أهل الحفظ والإتقان،أما راوي الحديث الحسن فهو قد خف ضبطه.
وهذا ينطبق عليه ويوضحه قول ابن الصلاح:"أن يكون من المشهورين بالصدق والأمانة،غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح،لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان،وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، فجاء مطابقا للمعرف،مميزا له عن غيره تماما."
مثال الحديث الحسن: ما رواه أحمد في مسنده (20561 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ: « أُمَّكَ » . قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ: « ثُمَّ أُمَّكَ » . قَالَ:قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ قَالَ: « أُمَّكَ » . قَالَ:قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ: « ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ » .
فهذا الحديث سنده متصل،لا شذوذ فيه ولا علة قادحة،حيث لم يقع في هذه السلسلة أي اختلاف بين الرواة ولا في المتن.
والإمام أحمد وشيخه يحيى بن سعيد وهو القطان إمامان جليلان،وبهز بن حكيم من أهل الصدق والصيانة حتى وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين والنسائي وغيرهم،لكن استشكل العلماء بعض مروياته حتى تكلم فيه شعبة بن الحجاج بسبب ذلك،وهذا لا يسلبه صفة الضبط،لكنه يشعر بأنه خف ضبطه [12] ،ووالده حكيم وثقه العجلي وابن حبان. وقال النسائي: ليس به بأس. فيكون حديث بهز هذا حسنا لذاته كما حكم العلماء،بل هو من أعلى مراتب الحسن.
ومن هذا تبين أن ثمة تشابها كثيرا بين الحسن والصحيح. حتى إن طائفة من أهل الحديث جعلت الحسن مندرجا في الصحيح،ولم يجعلوه نوعا منفردا،وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله النيسابوري في تصرفاته. لكن العمل بين المحدثين استقر على اعتبار الحسن نوعا منفردا.
6-حكم العمل به: الحديث الحسن مقبول عند الفقهاء كلهم في الاحتجاج والعمل به وعليه معظم المحدثين والأصوليين،وذلك لأنه قد عرف صدق راويه وسلامة انتقاله بالسند،وخفة الضبط كما عرفت لا تخرجه عن الأهلية للأداء كما سمع،لأن المقصود أنه درجة أدنى من الصحيح،من غير اختلال في ضبطه،وما كان كذلك فإن النفس تميل إلى قبوله،ولا يأباه القلب،والظن يحسن بسلامته فيكون مقبولا. [13]
7-الصحيح لغيره: هو الحسن لذاته إذا رُويَ من طريق آخر مِثْلُهُ أو أقوى منه . وسُميَ صحيحًا لغيره لأن الصحة لم تأت من ذات السند،وإنما جاءت من انضمام غيره له .
قال السيوطي رحمه الله:"إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورا بالصِّدق والستر،وقد علم أنَّ من هذا حاله فحديثه حسن،فرُوي حديثه من غير وجه،ولو وجهًا واحدًا كما يُشير إليه تعليل ابن الصَّلاح،قوي بالمُتابعة, وزال ما كُنَّا نخشاهُ عليه من جهة سوء الحفظ, وانجبر بها ذلك النَّقص اليسيرُ وارتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصَّحيح. [14] "
مثاله: كما في سنن الترمذى (22 ) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ:رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ » .
قَالَ:أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَحَدِيثُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - كِلاَهُمَا عِنْدِى صَحِيحٌ لأَنَّهُ قَدْ رُوِىَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - هَذَا الْحَدِيثُ. وَحَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّمَا صَحَّ لأَنَّهُ قَدْ رُوِىَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَصَحُّ"."
فمحمَّد بن عَمرو بن عَلْقمة [15] من المَشْهورين بالصِّدق والصِّيانة, لكنَّهُ لم يكن من أهل الإتقان, حتَّى ضعَّفه بعضهم من جهة سُوء حفظه, ووثَّقه بعضهم لِصْدقه وجَلالتهِ, فحديثهُ من هذه الجهة حسن, فلمَّا انضمَّ إلى ذلك كونه رُويَ من أوجه أُخر حكمنا بصحَّته, والمتابعة في هذا الحديث ليست لمحمَّد عن أبي سلمة, بل لأبي سلمة عن أبي هُريرة, فقد رواه عنه أيضًا الأعرج وسعيد المقبُري وأبوه وغيرهم.
8-الحسن لغيره [16] : هو الضعيف ضعفًا يسيرًا إذا تعددت طرقه،ولم يكن سببُ ضعفه فِسْقَ الراوي أو كَذِبَهُ.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"ومَتى تُوبِعَ السَّيِّءُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ [17] ؛"أي"كأَنْ يكونَ فوقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه [18] ،وكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لم يتَمَيَّزْ و"كذا"المَسْتورُ والإِسنادُ المُرْسَلُ وكذا المُدَلَّسُ إِذا لم يُعْرَفِ المحذوفُ منهُ صارَ حديثُهُم حَسنًا [19] ؛ لا لذاتِهِ،بل وَصْفُهُ بذلك باعتبارِ المَجْموعِ من المتابِعِ والمتَابَعِ؛ لأنَّ [معَ] كلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِه"معه"صوابًا أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ ."
فإِذا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم؛ رُجِّحَ أَحدُ الجانِبينِ مِن الاحْتِمالينِ المَذكورَيْنِ،ودلَّ ذلك على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ،فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ, ومعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ؛ فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِه،ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ". [20] "
أمثلة: أخرج ابن حبان في صحيحه (5601 ) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى،قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ،قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ،قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ،عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ: قَالَ:رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ.
فهذا الحديث بهذا الإسناد ليس بالقوي،اختلَّ فيه من شروط القبول شرط الضبطِ في أحد رواته،وهو مسلم بن خالد،وهو المعروف بالزنجي،كان صدوقا كثير الأوهام كما في التقريب .
لم نجد بعد النظر في الإسناد علة سوى ذلك،فقلنا: ما نخشاه من سوء حفظ مسلم فجائز أن يندفع بالوقوف على الحديث لفظًا أو معنى من غير طريقه .
فوجدنا الحديث أخرجه الدولابي (240 ) والبيهقي في شعب الإيمان (7575 ) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ً - صلى الله عليه وسلم -:"لَيْسَ لِلنِّسَاءِ سَرَاةُ الطَّرِيقِ"يَعْنِي: وَسَطَ الطَّرِيقِ،وهذه طريق ثابتة إلى ابن أبي ذئب ،لكن أدخل مرّةً بينه وبين الحارث ابن شهاب الزهري،كما أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد فيه لين (3136 ) عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَيْسَ لِلنِّسَاءِ سَرْأَةُ الطَّرِيقِ"لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ.
،ولو صحت الزيادة فالزهري هو الحافظ الإمام،والحارث بن الحكم هو الضمري يعتبر بحديثه،صالح للاعتبار،لم يجرح،ووثقه ابن حبان في الثقات ( 7216 ) ،وإن كان المحفوظ رواية ابن أبي ذئب عنه لا الزهري،فابن أبي ذئب لم يكن يروي إلا عن ثقة سوى رجل واحد،ليس الحارث بن الحكم به،وابن حماس غير مشهور،ففيه لين بهذا الاعتبار،ثم إن شرط الاتصال إلى منتهى الإسناد قد تخلف،فهذا مرسل،ولم يصب من جعل لابن حماس صحبة . وروي متصلا ولا يصح ،فالعبرة برواية ابن حماس المرسلة،فهي العاضد الذي يدفع عن رواية مسلم بن خالد أثر سوء حفظه،وبها يكون حديث أبي هريرة حسنًا . [21]
(1) - تيسير مصطلح الحديث (ج 1 / ص 6 ) ومقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 1 ) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 1 ) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 78 ) والنكت على ابن الصلاح (ج 1 / ص 234 ) والموقظة في علم مصطلح الحديث (ج 1 / ص 1 ) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 66 ) وشرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 37 ) وشرح اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 10 ) ومحاضرات في علوم الحديث (ج 1 / ص 1 ) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر (ج 1 / ص 36 ) والتقريرات السنية (ج 1 / ص 10 ) وتحرير علوم الحديث لعبد الله الجديع (ج 1 / ص 190 ) وتوضيح الأفكار (ج 1 / ص 9 ) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 242 )
(2) - انظر: المختصر في أصول الحديث- (ج 1 / ص 1 ) وقواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 40 ) وتيسير مصطلح الحديث- (ج 1 / ص 17 )
(3) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 242 )
(4) - صحيح البخاري, برقم: (765 )
(5) - العنعنة: رواية الحديث عن الشيخ بلفظ"عن"
(6) -تقريب التهذيب [ج1 -ص 330 ] (3721 )
(7) - تقريب التهذيب [ ج1 -ص 516 ] (6425 )
(8) - تقريب التهذيب [ ج1 -ص 506 ] (6296 )
(9) - تقريب التهذيب [ ج1 -ص 471 ] (5780 )
(10) - تقريب التهذيب [ ج1 -ص 138 ] (903 )
(11) - بتصرف يسير عن شرح النخبة: 17، وانظر شرح البيقونية للزرقاني: 25. ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 264 )
(12) - المغني رقم: 1007، والتهذيب:ج1: ص498-499.
(13) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 266 )
(14) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث (ج 1 / ص 2 ) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 117 ) والنكت على ابن الصلاح (ج 1 / ص 71 ) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 114 )
(15) - وفي تقريب التهذيب [ج1 -ص 499 ] (6188 ) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة مات سنة خمس وأربعين على الصحيح ع
(16) - قواعد التحديث, ج:1 ص:108
(17) - جَبْرُ الرواية بتعدد الطرق: شَرْطها في المتابَعِ، بالفتح، أن يكون ضعفه محتمَلًا، بحيث يمكن جبره بتعدد الطرق؛ وذلك إذا لم يكن الطعن منصبًا على العدالة، كسوء الحفظ، والاختلاط الذي لم يتميز، والمستور، والمرسَل، والمدلَّس. وشَرْطها في المتابِعِ، بكسر الباء، أن يكون المتابِعُ معتَبَرًا في المتابعة، أو معتَبَرًا به في هذا الباب، وذلك بأن يكون -في درجة الثقة- أعلى من المتابَع، أو مثلَهُ، لا دُونَهُ.
(18) - إذا توبع بمعتبر مثله أو أحسن منه صار حديثه حسنًا فإذا روى ابن لهيعة حديثًا وروى شريك القاضي أو غيره حديثًا مثله أو أحسن منه يكون من باب الحسن إذا كان المتابع مثله أو أحسن منه.
(19) - فيكون حديثهم من باب الحسن لغيره لا لذاته .
(20) - نزهة النظر (ج 1 / ص 129 )
(21) انظر تحرير علوم الحديث لعبد الله الجديع (ج 3 / ص 121 )