فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 43

5-مناقشة قول من نُسِبَ إليه المنع مطلقًا:

أمَّا الإمام البخاري, فقد أورد في كثير من التراجم في صحيحه أحاديث ليست على شرطه وهي المعلقة وفيها بعض الضعيف,وكذلك ما أورده في كتابه الأدب المفرد وكذا غيره من كتبه ففيها الكثير من الضعيف, فقد ضعف الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله - حوالي (215) حديثا في الأدب المفرد إن كان ينازع في بعضها, ولكنها موجودة فيه وفي غيره من كتبه, ولو كان لا يجوِّزُ الاحتجاج بالضعيف عنده لما ذكرها في كتبه وسكت عليها, وهل يصعب عليه اختيار الصحيح وهو الذي يحفظ مائة ألف حديث صحيح ؟!!

وأما الإمام مسلم رحمه الله, فيردُّه تقسيمه الحديث إلى ثلاثة أقسامٍ, وأن يأتي بها تباعًا, أو يفرد لكل قسم منها كتابًا,حيث قال رحمه الله في مقدمة صحيحه:"إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ وَثَلاَثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ. إِلاَّ أَنْ يَأْتِىَ مَوْضِعٌ لاَ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِى الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ فَلاَ بُدَّ مِن إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِن جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ. وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِن جُمْلَتِهِ فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِن إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ فَلاَ نَتَوَلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى."

فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِى هِىَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِن غَيْرِهَا وَأَنْقَى مِن أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِى الْحَدِيثِ وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا لَمْ يُوجَدْ فِى رِوَايَتِهِمِ اخْتِلاَفٌ شَدِيدٌ وَلاَ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَبَانَ ذَلِكَ فِى حَدِيثِهِمْ فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِى أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ فَإِنَّ اسْمَ السِّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِى الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ وَلَيْثِ بْنِ أَبِى سُلَيْمٍ وَأَضْرَابِهِمْ مِن حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ. فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلْمِ وَالسِّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ فَغَيْرُهُمْ مِن أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ وَالاِسْتِقَامَةِ فِى الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِى الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ أَلاَ تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً وَيَزِيدَ وَلَيْثًا بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ فِى إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاِسْتِقَامَةِ فِيهِ وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ لاَ يُدَانُونَهُمْ لاَ شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِى ذَلِكَ لِلَّذِى اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِن صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِن عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَلَيْثٍ وَفِى مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاَءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِى جَمِيلَةَ وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِىِّ وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا إِلاَّ أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِى كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاَءِ فِى التَّسْمِيَةِ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِىَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ فَلاَ يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِى الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ وَلاَ يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِى الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ وَيُعْطَى كُلُّ ذِى حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله تعالى عنها - أَنَّهَا قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ. مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ) فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنهُمْ فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِى جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِىِّ وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِىِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو أَبِى دَاوُدَ النَّخَعِىِّ وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ. وَكَذَلِكَ مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ أَوِ الْغَلَطُ أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ." [1] ."

فقد قسَّم الرجال إلى أربع طبقات,الثقات الأثبات, والمتوسطون, والمتهمون, والغالب على حديثهم النكارة أو الغلط, فهو لا يخرج للطبقيتين الأخيرتين, ويخرج للأولى في صحيحه, واختلف في الطبقة الثانية هل أخرج لها في الصحيح أم أراد إفراد كتاب لها فمات, أو كتبه لكن لم يقرأه على الناس ؟!! [2]

وقال إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم"إن مسلما أخرج ثلاثة كتب من المسندات:"

أحدها هذا الذي قرأه على الناس .

والثاني: يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق صاحب المغازي, وأمثالهما.

والثالث:يدخل فيه من الضعفاء" [3] :"

وأما ما ذكر عن الإمام يحيى بن معين رحمه الله, فيردُّه ما نقلناه عنه من التفريق بين أحاديث الأحكام وأحاديث المغازي والرقائق ونحوها .

وقال عن نجيح أبو معشر المديني السندي:"هُوَ ضَعِيفٌ،يُكْتَبُ مِن حَدِيثِهِ الرِّقَاقُ،" [4]

وقال عن إدريس بن سنان:"يكتب من حديثه الرقاق" [5] .

وقال عن موسى بن عبيدة الربذي:"ضعيف إلا أنه يكتب من حديثه الرقاق" [6]

وقال عن زياد البكائي صاحب المغازي:"لا بأس به في المغازي خاصة وأما في غيرها فلا" [7] .

وأمَّا ما ذكر عن ابن حزم فيردُّهُ قول ابن حزم نفسه, فقد قال في المحلَّى:"وَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ قَالا: ثنا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ السَّعْدِيُّ - قَالَ:"قَالَ:الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ - قَالَ:ابْنُ جَوَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ: فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ،ثُمَّ اتَّفَقَا: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ،وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ،وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ،وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ،وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ،إنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ،وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" [8] "

قَالَ:عَلِيٌّ: الْقُنُوتُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءٌ،فَنَحْنُ نُحِبُّهُ.وَهَذَا الأَثَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَيْرَهُ،وَقَدْ قَالَ:أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنَ الرَّأْيِ،قَالَ:عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَقُولُ،وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - الْقُنُوتُ بِغَيْرِ هَذَا وَالْمُسْنَدُ أَحَبُّ إلَيْنَا" [9] ."

يعني: المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , وإن كان ضعيفًا حسب وجهة نظره, أحب إليه من الموقوف على صحابي, ولو كان بمثل عمر رضي الله عنه.

وأما ما نقل عن القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله:فهو - وإن نقله عامة من تكلَّم عن حكم الحديث الضعيف بأنه يذهب إلى المنع مطلقًا - وحمله بعضهم فيما إذا كان شديد الضعف - منقوضٌ بنصِّ القاضي رحمه الله؛ ذلك أن الموجود في كتبه مغايرٌ لما نقل عنه, وعند تتبع عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي, وجدنا أنه يذهب إلى العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والخير والرقائق والترغيب والترهيب, بل في المستحبات, بل في الانكفاف في العبادات, وهذه بعض النماذج:

قال رحمه الله في تعليقه على حديث"التنشيف بعد الوضوء""هذان خبران لم يصحا, وفي الصحيح عن ميمونة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل عندها فناولته المنديل فرده ... ثم ذكر ثلاثة أقوال في المسألة, ثم قال: والصحيح جواز التنشيف بعد الوضوء, وأما حديث ميمونة فهو حكاية حال, وقضية عين .." [10] .

وقال في تعليقه على أمره - صلى الله عليه وسلم - من يستيقظ ويجد البلل ولا يذكر احتلامًا بالغسل"قد بين أبو عيسى ضعفه, لأنه مخرَّجٌ من طريق عبد الله العمري وهو ضعيف ... ثم قال: والصحيحُ وجوب الغسل إذا لم يلبسه غيره, لأنه يقطع على أنه منه اهـ [11] :"

وقال في تعليقه على حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه في التأمين:"قد علل أبو عيسى حديث وائل, وليس في قول رسول الله صلى اله عليه وسلم لآمين حديث صحيح, وإنما ذكره مالك عن ابن شهاب مرسلًا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين ... ثم قال: السُّنَّة أن يقولها الإمامُ لقوله"إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا"ولرواية ابن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقولها, والمرسل عندنا حجة كالمسند, لا سيما مرسل ابن شهاب ..." [12]

وهناك نماذج كثيرة [13] ،وسوف نقتصر على نموذج واحدٍ فقط يوضح رأيه بشكلٍ صريحٍ لا يحتمل اللبسَ, وذلك بتصريحه بالعمل بالحديث الضعيف, مع ضعفه عنده, فقد قال في تعليقه على حديث التشميت إذا زاد على الثلاثة:"روى أبو عيسى حديثًا مجهولًا"إن شئت شمتْه وإن شئتَ فلا"وهو إن كان مجهولًا, فإنه يستحبُّ العمل به, لأنه دعاءٌ بخيرٍ, وصلةٌ للجليسِ, وتوددٌ لهُ" [14]

وبهذا يتَّضِحُ أن مذهب القاضي أبي بكر بن العربي المالكي رحمه الله كمذهب عامة أهل العلم, وهو جواز رواية الحديث الضعيف, وجواز العمل به ما لم يكن ضعفه شديدًا كالموضوع والمتروك ونحوهما, والله أعلم [15]

قلتُ: وهذا يدلُّ على أنَّ المسالةَ موضعُ إجماعٍ عند المتقدمين على جواز العمل بالحديث الضعيف, لإيرادهم إياه في كتبهم, واحتجاجهم به, بما فيهم الإمام البخاري رحمه الله - كما ذكرتُ من قبلُ .

ـــــــــــــــ

المذهبُ الثالثُ

الشروطُ التي قيَّد بها المتأخرون العمل بالحديث الضعيفِ

يرَى أستاذُنا الخطيبُ - حفظهُ اللهُ -أنَّ هذه الشروطَ- وإنْ تحققتْ لا تقوَى على جعلِ الضعيفِ مصدرًا لإثباتِ حُكْمٍ شرعيٍّ,أو فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ, وفي رأيه أنَّ الحديثَ الضعيفَ الذي توفرت فيه هذه الشروط شبهةُ استحبابِ العملِ به منْ بابِ الاحتياطِ,لا منْ بابِ الإثباتِ.

ثم إنَّ المرءَ يطمئنُّ إلى ما ثبتت صحتُه أكثرَ من اطمئنانه إلى ما تبينَ له ضعفهُ،وإنا لا نتصورُ فضيلةً خلقيةً أو أمرًا في ترغيبٍ أو ترهيبٍ لا يُكتَبُ له الانتقالُ إلينا بطريقٍ صحيحٍ أو حسنٍ,أو بطرقٍ ضعيفةٍ محتملةٍ ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرهِ - وهو أدنَى درجاتِ القبولِ - لا نتصوَّرُ هذا،بعد أنْ عرفنا الجهودَ التي بذلها العلماءُ منذُ الصدرِ الأولِ،في سبيلِ حفظِ السُّنَّة, وصيانتِها ونقلِها،وبيان صحيحِها من سقيمِها, وجمعِها في مدوناتٍ كثيرةٍ تؤكدُ أنَّ السُّنَّة قدْ حُفظتْ بعناية المسلمينَ عنايةً فائقةً جليلةً, وحسبُنا أنْ نعتمدَ في كلِّ هذا على صِحاحِ الحديثِ وحسانهِ, بعد أنْ عرفنا اختلافَ مفهومِ الضعيفِ بين القدامَى و المتأخرينَ." [16] "

ويشكلُ على كلام أستاذنا أنَّ هناكَ أحاديثَ ضعيفةٍ قد ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرها, إذا تتبعنا طرقَها - بل هناكَ أحاديثُ ضعيفةٌ لم تتَّبعْ طرقُها إلى الآن،ولو تتبعناها لوجدنا لبعضها شواهدَ تقويه - في مصادر حديثيةٍ كادتْ أنْ تنسَى. [17]

وكذلك فإنَّ خيرةَ علماءِ الحديث قد رووا هذه الأحاديثَ - كالإمام أحمد وأصحاب السنن والحاكم والطبري والبيهقي وابن حبان وغيرهم- وهم علماءُ أجلاءُ لا يجوزُ لنا أنْ نغمطَهم حقَّهم .

والراجح المذهب الثالث - وهو مذهب جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم- وحكَى الاتفاقَ عليه بين العلماء الإمامُ النووي وابنُ حجر الهيثمي والشيخُ ملَّا علي القاري. [18]

وقال الحافظ العراقي في شرح ألفية الحديث:"وأمّا غيرُ الموضوعِ فجوّزوا التساهُل في إسنادِهِ وروايتِهِ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ الأحكامِ والعقائدِ. بلْ في الترغيبِ والترهيبِ, من المواعظِ والقصصِ, وفضائلِ الأعمالِ،ونحوِها . أما إذا كانَ في الأحكامِ الشرعيةِ من الحلالِ والحرامِ وغيرِهما, أو في العقائدِ كصفاتِ اللهِ تَعَالَى, وما يجوزُ ويستحيلُ عَلَيْهِ, ونحوِ ذلكَ . فَلَمْ يَرَوا التساهلَ في ذَلِكَ . وممَّنْ نصَّ عَلَى ذَلِكَ من الأئمةِ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ, وأحمدُ بنُ حنبلٍ, وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ, وغيرُهُمْ" [19] .

وقال ابن حجر المكيِّ:"قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال،لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أعطيَ حقَّه منَ العمل به وإلا لم يترتبْ على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريمٍ ولا ضياعِ حقٍّ للغير، وأشار المصنِّفُ بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الردِّ على مَن نازع فيه, بأن الفضائل إنما تتلقَّى منَ الشرعِ, فإثباتها بالحديثِ الضعيفِ اختراعُ عبادةٍ وشرعٌ في الدين بما لم يأذنْ بهِ اللهُ". [20]

ووجهُ ردِّه: أنَّ الإجماع لكونه قطعيًا تارةً وظنيا ظنًّا قويًّا تارةً أخرى, ولا يرَدُّ بمثل ذلك لو لم يكنْ عنه جوابٌ, فكيفَ وجوابُه واضحٌ ؟! إنَّ ذلك ليس منْ بابِ الاختراعِ, وإنما هو ابتغاءُ فضيلةٍ ورجاؤها بأمارةٍ ضعيفةٍ، منْ غيرِ ترتُّبِ مفسدةٍ عليهِ كما تقررَ ." [21] "

وقال ابن حجر المكي أيضًا بعد أن سئل عن بعض الأذكار:"فينبغي ندبُ هذه التي وردت بها تلك الأحاديث على كيفية ورودها وإن لم أر من صرح بذلك, ولا يضر أن في بعض أحاديثها ضعفا, لأن الحديث الضعيف والمرسل والمعضل والمنقطع يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا بل إجماعا على ما فيه". [22]

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر المكي:"وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ إذَا اشْتَدَّ ضَعْفُهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ, كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ, وَالْإِرْشَادِ" [23]

وقال في الفتاوى الفقهية الكبرى أيضًا:"وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضِلَ, وَالْمَوْقُوفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إجْمَاعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْمَ رَجَبٍ مِن فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ مَغْرُورٌ" [24]

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى:" ( وَسُئِلَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنَ الذَّكَرِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَالْمَأْثُورُ أَفْضَلُ مِنهَا مَا الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ ؟"

( فَأَجَابَ ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قِيلَ مَا أُثِرَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ لَكِنْ فِي كَوْنِ الْمَأْثُورِ عَنْ صَحَابِيٍّ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَمَّا كَانَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ أَلِيقَ مِنهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلِمَّا كَرِهَهَا بَعْضُهُمْ فِيهِ مُطْلَقًا قَدَّمُوا الْمَأْثُورَ وَلَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ،وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا،لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوع ." [25] "

ورجح أستاذنا العتر هذا المذهب وقال عنه:"إنه أوسطُ هذه المذاهب وأقواها وأعدلها, وذلك أننا إذا تأمَّلنا الشروط التي وضعها العلماءُ للعمل بالحديث الضعيف, فإننا نلاحظُ أنَّ الحديثَ الضعيفَ الذي نبحث فيه لم يحكمْ بكذبِهِ،لكنْ لم يترجحْ جانبُ الإصابةِ, إنما بقي محتملًا, وهذا الاحتمال قد تقوَّى بعدم وجود معارضٍ لهُ, ولانطوائِه ضمنَ أصلٍ شرعيٍّ معمولٍ بهِ, مما يجعلُ العملَ به مستحبًّا ومقبولًا رعايةً لذلك ."

أمَّا زعمُ المعارضين أن العمل بالضعيف في الفضائل اختراعُ عبادة وتشريع في الدين لما لم يأذن به الله تعالى. فقد أجاب عنه العلماء:بأن هذا الاستحبابَ معلومٌ من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين،والعملُ بالحديث الضعيف من هذا القبيل،فليس ثمة إثبات شيء من الشرع بالحديث الضعيف.

وفي رأيي أن الناظر في شروط العمل بالحديث الضعيف يجد فيها ما ينفي الزعم بأنه إثباتُ شرعٍ جديدٍ،وذلك أنهم اشترطوا أن يكون مضمونه مندرجًا تحت أصلٍ شرعي عام من أصول الشريعة الثابتة،فأصلُ الشريعة ثابتٌ بالأصل الشرعي العام،وجاء هذا الخبر الضعيف موافقا له" [26] ."

ــــــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم 1/ص 2

(2) - انظر مكانة الصحيحين الطبعة الأخيرة وشرح مقدمة صحيح مسلم لخليل خاطر والخلاف بين القاضي عياض والحاكم والبيهقي رحمهم الله تعالى في هذه المسالة .

(3) - انظر صيانة مسلم 91 ومقدمة شرح صحيح مسلم لملا خاطر 128

(4) - سير أعلام النبلاء- (ج 3 / ص 325 )

(5) - الكامل لابن عدي- (ج 1 / ص 366 )

(6) - الكامل لابن عدي- (ج 6 / ص 334 )

(7) - من له رواية في الكتب الستة- (ج 1 / ص 411 ) وميزان الاعتدال- (ج 2 / ص 91 ) والكامل لابن عدي- (ج 3 / ص 191 ) وتاريخ ابن معين - الدارمي- (ج 1 / ص 114 )

(8) - الترمذي: الصَّلَاةِ (464 ) ، النسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1745 ) ، أبو داود: الصلاة (1425 ) ، ابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1178 ) ، أحمد (1/199 ) ، الدارمي: الصلاة (1591 ) . وهو حديث صحيح عكس ما يقول ابن حزم

(9) - المحلى ج 2 / ص 677 )

(10) - عارضة الأحوذي 1/69-70

(11) - العارضة 1/172-173

(12) - العارضة 2/48-50 وانظر فيه 1/13 لتصحيحه مرسل الزهري

(13) - انظر العارضة 2/79-80 و12-113و215-216و10/155-156

(14) - العارضة 10/205

(15) - انظر خطورة مساواة الضعيف بالموضوع ص 79-84

(16) - أصول الحديث 353-354، وقد سبقه إلى هذا الرأي العلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث ص 91-92

(17) - وقد يسَّر الله لي كثيرا من ذلك في موسوعتي (موسوعة السنة النبوية ) - مخطوطة-حيث حسّنت وصححت كثيرا من الأحاديث التي كان يظنُّ أنها غير مقبولة ، وذلك بعد تتبعي لطرقها وشواهدها ، أو مناقشة سبب ضعفها .

(18) - انظر الأذكار للنووي ص 7 و217 ، والمنهل للطيف ص 13، والأجوبة الفاضلة ص 37 و42 ، ومنهج النقد في علوم الحديث ص 274 -275

(19) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 101 )

(20) - الفتح المبين ص 32

(21) - المصدر السابق

(22) - ذكره ضمن جوابه على سؤال عما في أذكار النووي من أنه يسن أن يقرأ في كل يوم يس والواقعة والدخان والسجدة وإذا زلزلت ، فهل بقي سور وآيات أخر ورد فيها نظير ذلك ؟ . الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي- (ج 1 / ص 284 )

(23) - (ج 1 / ص 468 )

(24) -- (ج 3 / ص 294 )

(25) -- (ج 4 / ص 1 )

(26) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 294 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت