فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 43

يرى الشيخُ ناصر الدين الألباني -رحمه الله: أنه لا يحلُّ العملُ بالضعيف مطلقًا, بحجة أنه في الصحيح غنيةٌ عنِ الضعيف .

وقد مرَّ نقاشُ هذا الرأي, وكأنَّه ساوَى في كتابه ( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ على الأمة ) بين الحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا, وبين الحديث الضعيفِ ضعفًا شديدًا, وبين الموضوعِ .

وهذا- فيما أظنُّ لم يسبقْ إليه - إذ لم يدرج أحدٌ الأحاديثَ الضعيفةَ ضعفًا يسيرًا مع الواهيةِ والموضوعةِ, ويحذرُ الأمةَ منْ خطرِها !!!.

ولنا على هذه السلسلة ملاحظات كثيرة أهمها:

"الأولى: أن هذا التقسيم لم يسبق إليه, فوضع الأحاديث الضعيفة ضعفًا محتملًا مع شديدة الضعف, بل الموضوعة واعتبارها قسمًا واحدًا, ليس قول أحدٍ من أهل العلم الذين هم المرجع في هذا الباب ."

الثانية: فرّقَ أهلُ العلم بين الضعيف ضعفًا محتملًا وبين شديد الضعف والموضوع, واعتبروا لكلِّ واحد منها حكمًا,فالضعيف ضعفًا يسيرًا قد عملت به الأمة من قبل وهو موجود في أكثر كتب السُّنَّة والفقه والتفسير والأصول . ومنهم من عمل به مطلقًا في الأحكام وفي غيرها .. ومنهم من عمل به في فضائل الأعمال مطلقًا أو بشروط .

الثالثة: الأحاديثُ الضعيفةُ تشكِّلُ قسمًا غير قليل من السُّنَّة, فإهدارها إهدار لجانب هامٍّ منَ السُّنَّة ؛لأنها توضح مجملًا أو تزيده تأكيدًا وقوة, أو تحثُّ على العمل الصالح, أو تنفِّرُ من الأعمال والتصرفات السيئةِ.

الرابعة: الضعفُ أمر نسبيٌّ تبعًا لاختلاف الشروط التي وضعها أهلُ العلم, وهذا الاختلاف يؤدي بدوره إلى الاختلافِ في الحكمِ على الحديث صحةً وضعفًا .

الخامسة: قد يكونُ الحديث ضعيفًا في زمانٍ معينٍ أو مكانٍ معيَّن ٍ،لأنه لم يتحْ للناقدِ الوقوفُ على جميعِ طرقه,ثم يتاحُ لغيره من العلماء الوقوفُ على طرقهِ وشواهده بعد ذلك, فيصير حسنًا لغيره,أو صحيحًا لغيره, ولابدَّ منْ ملاحظة أقوالِ النقَّادِ في التضعيف, فكثيرًا ما يقيدونه بطريقٍ معيَّنٍ, فلا يكون تضعيفهم هذا شاملا للطرق الأخرى. وقد يحسُنُ أو يصحُّ بعد ذلك تبعًا لجمع طرقه وشواهده .

السادسة: التسرُّعُ في تضعيف الأحاديث وتوهينها, ليس هو منهج أهل العلم, فكيف بالحكم عليها بالوضعِ ؟! فهذا يؤدي بدوره إلى إنكار الكثير مما ثبتَ من السُّنَّة .

السابعة: عدم التزامه بالقواعد العلمية الموضوعة في هذا الفن - كما سترى - وإن ذكر في مقدمته أنه التزم بها .

الثامنة: أنه يضعِّفُ الحديثَ لأدنى شبهةٍ حتى لو كان في الصحيحين, أو صحَّحَه الأئمةُ الكبار ُ.

التاسعة: الأحاديث التي أوردها في السلسة الضعيفة على أنواع:

-قسم ٌضعَّفه وهو حسن لذاته أو لغيره:انظر الأحاديث رقم (1579 ) و (1300) و (1079 ) و (1547 ) و (1489 ) و (1711 ) و (1492 ) و (1587 ) و (1588 ) و (1715 ) و (1594 ) و (1716 ) و (1674 ) و (1745 ) و (1753 ) وغيرها كثير.

-وقسمٌ ضعَّفه وهو صحيح لذاته أو لغيره: انظر الأحاديث (1756 ) و (1702) و (1787 ) و (1730 ) و (1850 ) و (1619 ) و (1771 ) و (1921 ) و (956 ) و (397 ) و (907 ) و (1540 ) و (1533 ) و (1486 ) و (936 ) و (1007 ) و (632 ) و (13 ) و (1177 ) و (1850 ) و (1537 ) وغيرها كثير .

-وقسمٌ ضعَّفه لأنه مرسلٌ, والصوابُ أنَّ المرسلَ يعملُ به عند جماهير أهل العلم, انظر الأحاديث رقم (1702 ) و (1743 ) و (1863 ) و (275 ) و (1647 ) و (1823 ) و (1953 ) .

-وقسمٌ ضعَّفه لأنه ورد مرفوعًا وموقوفًا والصواب وقفه, وكثير من هذا الموقوف مثله لا يقال بالرأي وهو في حكم المرفوع, انظر الأحاديث رقم (13 ) و (210 ) و (1094 ) و (1163 ) و (1657 ) و (1690 )

-وقسم ٌضعَّفه جدًا, والصوابُ أنه حسن لذاته أو لغيره أو صحيح لذاته أو لغيره, أو حسنٌ مرسل, أو صحيحٌ مرسل،انظر الأحاديث (515 ) و (759 ) و (1500 و1642 ) و (1383 ) و (1544 ) و (1755 ) و (1772 ) و (1784 ) و (1995 ) و (1798 ) و (1812 ) و (1813 ) و (1835 ) و (1870 ) و (1871 ) و (1881 ) و (1828 ) .

-وقسمٌ ضعَّفه وهو في الصحيحين أو في أحدهما أو في موطأ مالك مثل الحديث رقم (1299 ) في سلسة الأحاديث الضعيفة عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِن رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالًا،يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ،وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالًا يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ » وهو في البخاري (6478 ) والفتح 11/308 ومسند أحمد (8635 ) 2/334 وجامع الأصول 11/730 (9410 ) وانظر المسند الجامع - (ج 17 / ص 1341 ) (14242) !

والحديث رقم (1030 ) عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ،فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ،فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ » . وهو في صحيح البخاري (136 ) وصحيح مسلم (603 ) وانظر طرقه في المسند الجامع - (ج 16 / ص 959 ) (12755 ) وقد أدخله في سلسة الأحاديث الضعيفة لمجرد إدراجٍ في آخره مختلفٍ فيه ! [1]

-وقسمٌ حكم بوضعه وليس موضوعًا, فقد يكون ضعيفًا أو حسنًا أو صحيحًا, أو صحيحًا موقوفًا, انظر الأحاديث (788 ) و (1302 ) و (1585 ) و (678 ) و (1676 ) و (1742 ) و (1797 ) و (163 ) و (1437 ) و (1958 ) و (139 ) و (1563 ) و (1866 ) و (1033 ) و (144 ) و (601 ) .

-وقسمٌ ضعَّفه أو ضعَّفه جدًا أو حكم بضعَفه هنا, وحسنه أو صححه في كتبه الأخرى دون أن ينبه على ذلك.

كالحديث رقم (1163 ) ضعفه, وصححه في المشكاة (2831 ) !

والحديث رقم (956 ) ضعفه, وصححه في الإرواء (1803 ) !

والحديث رقم (1150 ) ضعفه, وصححه في صحيح الترمذي (2787 ) !

والحديث رقم (582 ) ضعفه, وصححه في صحيح الجامع (1385 ) والصحيحة (1128 ) !

والحديث رقم (1736 ) حكم بوضعه, وحسنه في صحيح الترمذي (2170 ) !

والحديث رقم (1324 ) ضعفه, وصححه في الإرواء 3/237-238 !

العاشرة: عدمُ تحققه من الجرح والتعديل, كتضعيفه أحاديث أبي الزبير المكي وابن إسحاق والحسن البصري إذا لم يصرحوا بالتحديث,بحجة أنهم مدلِّسون, دون أن يحقق هل الصواب تدليسهم أم لا ؟ وهل تدليسهم عام أم خاص ؟

وكذلك تضعيفه لأحاديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم بحجة أن الحافظ ابن حجر قال عنه في التقريب: صدوق في روايته عن أبي الهيثم ضعف،دون أن يرجع إلى الكتب السابقة المطوَّلة ليتأكد من ذلك انظر الأحاديث التالية (278 ) و (309 ) و (15 ) و (210 ) و (273 ) و (338 ) و (348 ) و (363 ) و (494 ) و (151 ) و (401 ) .

الحادية عشرة: تضعيفُه لأحاديث الرواة المختلف فيهم,وهم كثر كأبي صالح كاتب الليث انظر الأحاديث (228 ) و (292 ) و (475 ) وعبد الله بن لهيعة انظر الأحاديث (57 ) و (228 ) و (278 ) و (328 ) و (471 ) و (476 ) وبقية بن الوليد الحمصي انظر الأحاديث (168 ) و (229 ) و (232 ) و (341 ) و (482 ) .

أمثلة من أخطائه الجسيمة:

كقوله في ترجمة أبي صالح كاتب الليث: وإن روى له البخاري ففيه ضعف, فقد قال ابن حبان: كان في نفسه صدوقًا, وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له, فسمعت ابن خزيمة يقول: كان بينه وبينه عداوة, كان يضع الحديث على شيخ ابن صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله, ويرميه في داره بين كتبه, فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدِّثُ به !, ا هـ 1/19 و20 .

أقول: هذه القصة غير صحيحة لأنها ليست موصولة،والذي حدَّث بها وُلدَ بعد وفاة أبي صالح !

وكيف كان يرمي بها ثم تصل إلى كتبه وتجلس بينها ولا تميز ، فهذا من أبطل الباطل ، ولا يمكن لعاقل في الأرض يصدق به بهذا الشكل الذي رويت به .

كما أن ابن حبان متهوِّرٌ ٌفي الجرح كما سنذكره مفصلًا،راجع ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث في التهذيب 5/256-261 والكامل لابن عدي 4/206-208 . والصواب أنه صدوق له أفراد, وهو من أوثق الناس رواية عن الليث .

قلت: وقد ناقض نفسه فقال في السلسلة الصحيحة (1227 ) ". قلت: و عليه فالإسناد جيد لأن راشد بن سعد ثقة اتفاقا ، و من دونه من رجال"الصحيح"، و في عبد الله بن صالح كلام لا يضر هنا إن شاء الله تعالى"

وفي السلسلة الصحيحة (2917 ) "فالسند حسن للخلاف المعروف في محمد ابن عجلان . و أعله الهيثمي بـ ( عبد الله بن صالح ) فقال ( 2 / 81 ) :"رواه البزار ، و فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث ، وثقه عبد الملك بن شعيب ابن الليث ، فقال:"ثقة مأمون"، و ضعفه أحمد و غيره".و توسط الحافظ فيه فذهب إلى أنه ثقة في رواية الأئمة الكبار عنه كالبخاري و أبي حاتم و نحوهما . انظر ترجمته في"مقدمة الفتح"."

وكنقله عن الهيثمي في المجمع 1/21: وفيه يحيى بن المتوكل . أبو عقيل وهو كذاب ! ا هـ .

أقول: كان عليه أن يتأكد بنفسه عن الحكم في هذا الراوي والصواب أنه ضعيف التقريب (7633 ) والكاشف (6348 )

وناقض نفسه فقال السلسلة الصحيحة (863 ) "و له شاهد من حديث عائشة بهذا اللفظ . أخرجه أحمد ( 6 / 138 ) : حدثنا وكيع قال: حدثني أبو عقيل عن بهية عنها . وأبو عقيل اسمه يحيى بن المتوكل المدني وهو ضعيف ، و بهية لا تعرف".

وقوله في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف نقلًا عن التقريب 1/22 .

أقول: الصواب فيه أنه حسن الحديث إذا روى عن أهل بلده (المصريين ) وكان الراوي عنه ثقة .

وقد وثقه سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين في رواية والجوزجاني ويعقوب بن شيبة, ويعقوب بن سفيان, وأبو زرعة وأحمد بن صالح المصري, والبخاري, وابن وهب, وسحنون والحربي .

وضعفه يحيى وهشام بن عروة وأحمد .. علمًا أنه روى عنه في المسند,ولينه أبو حاتم وأبو زرعة إذا روى عن مجاهيل, وصالح جزرة والنسائي وابن خزيمة والساجي وابن حبان وابن عدي راجع التهذيب 6/173-176 .

وقوله عن حديث (أهل الشام سوط الله .. ) رقم (3 ) ضعيف, وصحح وقفه على الصحابي خريم بن فاتك, وفاته أن مثله لا يقال بالرأي, لأن هذا الصحابي يتحدَّث عن مسألة لا تعرف بالرأي .

وكقوله 1/25 عن المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله وهو ضعيف لاختلاطه ا هـ .

دون أن يميز بين ما رواه قبل الاختلاط وما رواه بعد الاختلاط, وقد قال الحافظ في التقريب (صدوق اختلط قبل موته ) وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط - (3919 ) . وفي الكاشف (3281 ) قال ابن نمير: ثقة اختلط بآخره, وقال سي: لا بأس به, وقال مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه .

وفي ص 1/33 قال عن روح بن صلاح: فقد ضعفه ابن عدي ... وقال بعد أن خرج له حديثين: له أحاديث كثيرة في بعضها نكرة اهـ .

أقول: لم يضعفه ابن عدي, وإنما ذكره وذكر له حديثين وقال عقبهما: وهذان الحديثان بإسناديهما ليسا محفوظين, ولعل البلاء فيه من عيسى هذا فإنه ليس بمعروف - أي الراوي عن روح - ولروح ... أحاديث ليست بالكثيرة عن ابن لهيعة والليث وسعيد بن أبي أيوب, ويحيى بن أيوب وحيوة وغيرهم, وفي بعض حديثه نكرة اهـ الكامل 3/146.

وكذلك نقله عن فضيل بن مرزوق: أقوال المضعفين له دون الموثقين 1/35 نقلًا عن التهذيب ليس سديدًا .

فقد قال الحافظ ابن حجر في التهذيب ما خلاصته: وثقه الثوري وابن عيينة وابن معين وأحمد وابن عدي والعجلي .. وضعفه من ذكرهم الشيخ ناصر انظر التهذيب 8/299-300 .

أقول: والصواب فيه ما قاله ابن عدي: ولفضيل أحاديث حسان وأرجو أنه لا بأس به الكامل 6/19 وقال الذهبي في الكاشف (4562 ) ثقة اهـ وقد وثقه الكبار انظر الجامع في الجرح والتعديل (3532 ) .

قلت: وناقض نفسه وحسن له في السلسلة الصحيحة (107) "قلت: مروان ثقة ، وسليمان بن موسى أبو داود الكوفي صويلح كما قال الذهبي ، و فضيل إن كان ابن مرزوق ففيه ضعف ، و إن كان ابن غزوان فهو ثقة احتج به الشيخان ، فإن كان هو راوي الحديث فهو حسن إن شاء الله تعالى".

وفي السلسلة الصحيحة (1136 ) وأحمد ( 2 / 328 ) ". قلت: وإسناده حسن ، فإن فضيل بن مرزوق صدوق يهم كما قال الحافظ في"التقريب"."

وكقوله عن عبد الحكم بن ذكوان:"لقد عاد الشيخ إلى الاعتداد بتوثيق ابن حبان - له - مع اعترافه بشذوذه في ذلك كما سبق النقل عنه, هذا مع قول ابن معين في ابن ذكوان هذا: لا أعرفه, فإذا لم يعرفه إمام الجرح والتعديل فأنى لابن حبان أن يعرفه ؟!"1/37 .

أقول: لي على كلامه - هذا -عدة ملاحظات:

الأولى: أنه لا يعتدُّ بتوثيق ابن حبان ويعتبره من المتساهلين والصواب بعكس ما يقول: , لأن ابن حبان من المتشددين في الجرح والتعديل راجع مقدمة الإحسان 1/36-40 .

الثانية: كان عليه أن يرجع إلى ترجمة عبد الحكم هذا في التهذيب مثلًا: فقد روى عنه مروان بن معاوية وأبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وقال ابن معين: لا أعرفه, وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي هو أحب إليك أم عبد الحكم القسملي ؟ فقال: هذا أستر, وذكره ابن حبان في الثقات اهـ التهذيب 6/107 وقال الذهبي في الكاشف (3133 ) وثقه البستي اهـ فالصواب أن حديثه حسن.

والثالثة: إذا لم يعرفه ابن معين وعرفه غيره فهذا أمر طبيعي, لا يمكن للإمام ابن معين ولا غيره أن يعرف كل الرجال . ولو رحت أتتبع أخطاءه في الجرح والتعديل لملأت مجلدًا ضخمًا .

الثانية عشرة: إكثارُه من الرد على مخالفيه ووصمهم بكل نقيصة انظر الضعيفة 1/17 و22 و23 و25 و30 و31 و33 و35 و36 و38 .

وقال الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الضعيفة 1/76 و77 (57) :"لا أصل له ،ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا ، حتى قال السيوطي في"الجامع الصغير": ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ! ."

وهذا بعيد عندي ، إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده .

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين ، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع .

وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على"تفسير البيضاوي" ( ق 92 / 2 )

ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء ، فقال العلامة ابن حزم في"الإحكام في أصول الأحكام" ( 5 / 64 ) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:

"وهذا من أفسد قول يكون ، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا ، وهذا ما لا يقوله مسلم ، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف ، وليس إلا رحمة أو سخط..." [2]

"وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة,ولا يحاولون أبدًا الرجوع بها إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم رضي الله عنهم, بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا بردِّ بعضها المخالف للدليل, وقبول البعض الآخر الموافق له،وهذا مالا يفعلونه, وبذلك نسبوا إلى الشريعة التناقض وهو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء, فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله, فكيف يصحُّ إذن جعله شريعة متبعة, ورحمة منزلة ؟".

أقول: في هذا الكلام خلط عجيب, لا أعتقد أن أحدًا من السابقين يقول به, وسأذكر بعضه:

الأول: زعمه أن (معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء) ولم يورد شيئا لإثبات هذا الزعم سوى قول ابن حزم، فهل ابن حزم رحمه الله هو مرجع الأمة وحده ؟.

وهل هو ممثل العلماء ؟

وأين هم المحققون الذين استنكروا معنى هذا الكلام ؟

والصواب أنه لم يستنكره إلا ابن حزم ، وسائر أهل العلم قد ذكروه في كتبهم دون نكير .

وهنا يصف ابن حزم بالعلامة وبالتحقيق ، بينما في كتبه الأخرى يقول عنه غير ذلك ، وإليك البيان:

قال في تعليقه على الحديث"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الخمر.."قلت: وهذا إسناد صحيح ومتابعة قوية لهشام بن عمار وصدقة بن خالد ، و لم يقف على ذلك ابن حزم في"المحلى"، ولا في رسالته في إباحة الملاهي ، فأعل إسناد البخاري بالانقطاع بينه وبين هشام ، وبغير ذلك من العلل الواهية ، التي بينها العلماء من بعده وردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ، مثل المحقق ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 5 / 270 - 272 ) والحافظ ابن حجر في"الفتح"وغيرهما ،وقد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ، يسر الله تبيضه و نشره .

وابن حزم رحمه الله مع علمه وفضله وعقله ، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع

على الأحاديث وطرقها ورواتها . ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث . السلسلة الصحيحة (91 )

وقال في كلامه على حديث -"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة .."والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم ، لاسيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد ، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف ؟ !السلسلة الصحيحة ( 204 )

وقال أيضًا"فلا يقبل بعد هذا قول ابن حزم فيه ( 8 / 196 ) :"وهو مجهول"وأعل الحديث به ، فإنه لا سلف له في ذلك ، وقد وثقه هؤلاء الأئمة".السلسلة الصحيحة (260 )

وقال أيضًا:"وقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف". ومن عرف حال أبي الفتح الأزدي وما فيه من الضعف المذكور في ترجمته في"الميزان"وغيره و عرف شذوذ ابن حزم في علم الجرح عن الجماعة كمثل خروجه عنهم في الفقه لم يعتد بخلافهما لمن هم الأئمة الموثوق بهم في هذا العلم"السلسلة الصحيحة (503 ) "

وقال أيضا:"وفيما تقدم رد قوي على ابن حزم في قوله في"رسالة الملاهي" (ص97) : أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الآية بأنه الغناء ! قال:"وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا تقوم بقوله حجة " ! و مع سقوط كلامه هذا بما سبق ، فيخالفه صنيعه في"المحلى"، فقد ساق فيه الروايات المتقدمة عن ابن مسعود وابن عباس ، وعن غيرهما من التابعين ، ولم يضعفها ، وإنما قال: " لا حجة لأحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"!"

فنقول: كلمة حق أريد بها باطل ، لأنه لم يذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يخالف تفسيرهم . ثم زعم أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين ! وهذا كالذي قبله ، فإنه لم يذكر ولا رواية واحدة مخالفة ، ولو كان لديه لسارع إلى بيانها . ثم احتج بأن الآية فيها صفة من فعلها كان كافرا . فنقول: هذا حق ، ولكن ذلك لا ينفي أن يؤاخذ المسلم بقدر ما قام فيه من تلك الصفة ، كالالتهاء بالأغاني عن القرآن . السلسلة الصحيحة (2922 )

الثاني - عدم معرفته بأسباب اختلاف الفقهاء, وقد ألفت عشرات الكتب فيها قديمًا وحديثًا ككتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية رحمه الله وقد قمت بشرحه والتعليق عليه مطولا.

الثالث: يستحيل إزالة أسباب الخلاف إزالة تامة, لأنه يرجع إلى النصوص نفسها،فغالبها ليس قطعي الدلالة,بل ظني الدلالة, فكيف نرجع الخلاف إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة ؟ .

الرابع: أن الفقهاء استنبطوا أحكامهم من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس وليس من فراغ .

الخامس: لو شاء الله تعالى لجعل نصوص هذه الشريعة كلها قطعية الدلالة لا تحتمل أكثر من معنى, ولكن لم يشأ ذلك, فكيف نزيل الخلاف ؟

السادس: يعني الفقهاء بقولهم الاختلاف رحمة: أنه يوجد في المسألة الواحدة أكثر من قول والمكلَّف في سعة من أمره طالما أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد, وهذا الاختلاف موجود منذ عهد الصحابة وسيبقى إلى قيام الساعة،ولن يستطيع أحد إزالته .

السابع: قوله أنهم يرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة اهـ وعزاه لفيض القدير 1/209 .

قلت:"قال المناوي رحمه الله:"إن اختلافهم توسعة على الناس يجعل المذاهب كشرائع متعددة بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلها, لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم, ولم يكلفوا مالا طاقة لهم به, توسعة في شريعتهم السمحة السهلة, فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة, فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له, وقد وعد بوقوع ذلك, فوقع, وهو من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - , أما الاجتهاد في العقائد فضلالٌ ووبالٌ كما تقرر"1/209"

وهناك فرق كبير بين كلام الشيخ ناصر وكلام المناوي .""

الثامن: منْ قال بأنَّ الشريعة متناقضةٌ ؟!،علمًا أن الفقهاء يصرحون ويقولون قال أبو حنيفة:رأيي في هذه المسألة كذا, . وهكذا غيره, لذلك يقولون لك إذا سألتهم عن حكم مسألة مثلًا: هذه حلال في المذهب الشافعي, ولا يقولون من الله .. بل إن اختلاف الفقهاء هو اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضادٍّ .

التاسع: ما علاقة الآية القرآنية باختلاف الفقهاء،ولا سيما أنها واردة في حقِّ القرآن الكريم وليس على غيره كما هو معلوم ؟ .

العاشر: ما قاله ابن حزم غير صحيح, إذا كان الاختلاف رحمة كان الاتفاق سخطًا, فهذا الثاني غير لازم قطعًا ولا مراد,والاختلاف من طبيعة البشر والحياة والنصوص, فمن أراد أن يزيله فليغير طبيعة البشر والحياة والنصوص حتى يتسنَّى له ذلك, ولا يقدر على هذا إلا اللهُ وحده. [3]

الثالثة عشرة: تضعيفه للإمام أبي حنيفة انظر ص 390 و465 .

وهذا كلام مردود, فهؤلاء الأئمة الكبار لا يجوز الوقوع فيهم, فقد بلغوا القنطرة, ولم يذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة أبي حنيفة من التهذيب 10/449-452 حرفًا واحدًا مما سوَّد به الشيخ ناصر كتابه هذا !. ولا الإمام الذهبي كذلك إلا كل خير .

(1) - انظر كتابي الدفاع عن كتاب رياض الصالحين 29- (1024)

(2) - الإحكام 5/64

(3) - إذا أردت التفصيل فارجع إلى كتاب الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم للدكتور يوسف القرضاوي .

وبالجملة فهذه السلسلة لا يعتمد عليها للأخطاء الفاحشة التي وردت فيها

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت