فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 43

1-قول الخطيب مفسرا قول أبي حاتم (شيخ ) وذلك بقوله: فقولهم ( شيخ ) ذكره ابن أبي حاتم في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل الأربع،وهو ممن يقبل حديثه وفي مرتبة من يقال فيه جيد الحديث وحسن الحديث )

فهذا الكلام فيه نظر،وإليك البيان:

"تأتي هذه اللفظة (شيخ ) في باب النقد - أي التجريح والتعديل ونحوهما - بمعانٍ كثيرة أكثرها متقاربة أو متناسبة،أو هي - في الأقل - راجعة إلى أصول قليلة أهمها ما يلي:"

الأصل الأول: قلة روايته؛ ولذلك تراهم أحيانًا يطلقونها على المقل إذا لم يكن مشهورًا ولو كان مقبول الرواية؛ ومن ذلك أنهم قد يقولونها للرجل باعتبار قلة ما يرويه عن محدث بعينه،كما يقول: بعض أصحاب المسانيد: حديث المشايخ عن أبي هريرة أو عن أنس فيسوقون في ذلك روايات لقوم مقلين عنهم وإن كانوا مكثرين عن غيرهم؛ وكذلك إذا قالوا: أحاديث المشايخ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما يعنون من ليس له عنه إلا الحديث أو الحديثين ونحو ذلك .

الثاني: قلة الرواة عنه؛ وهذان قد يكونان سببين في جهالة حاله.

الثالث: قلة علمه؛ فهم يصفون بها أحيانًا من لم يكن من أهل العلم من الرواة .

الرابع: قلة اعتنائه بضبط الروايات وحفظها؛ وهذا قد يكون سببًا في سوء حفظه للمرويات،أو عدم ضبطه وإتقانه لما يؤديه.

الخامس: كونه أهلًا لأن يُروى عنه في الجملة،وأنه من جملة الرواة الذين كُتبت أحاديثهم،وصاروا شيوخًا لغيرهم .

وبناء على ما تقدم أو بعضه تراهم يطلقون كلمة"شيخ"أحيانًا على المجهول،وأحيانًا على الضعيف الذي لم يشتد ضعفه،وأحيانًا على من هو وسط بين المقبولين والمردودين،وأحيانًا على من هو دون الأئمة والحفاظ سواء كان من الثقات أو لم يكن منهم .

ولا بد هنا من الاستعانة بالقرائن والسياقات لمعرفة المراد في كل عبارة يقولها ناقد من النقاد .

وقال الذهبي في (ميزان الاعتدال ) في ترجمة العباس بن الفضل العدني:(سمع منه أبو حاتم،وقال: شيخ؛ فقوله"هو شيخ"ليس هو عبارة جرح؛ ولهذا لم أذكر في كتابنا أحدًا ممن قال فيه ذلك؛ ولكنها أيضًا ما هي عبارة توثيق؛ وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة .

ومن ذلك قوله"يكتب حديثه"،أي ليس هو بحجة ) .

وقال الذهبي في مقدمة (الميزان ) : (ولم أتعرض لذكر من قيل فيه:"محله الصدق"،ولا من قيل فيه:"لا بأس به"،ولا من قيل فيه:"هو شيخ"أو:"هو صالح الحديث"؛ فإن هذا باب تعديل ) [1] .

وقال الذهبي في (الموقظة ) :"الثقة: من وثَّقَه كثيرٌ ولم يُضعَّف،ودُونَه من لم يُوثَّق ولا ضُعِّف ،فإن خُرِّج حديثُ هذا في الصحيحين،فهو مُوَثَّق بذلك،وإن صَحَّح له مثلُ الترمذيِّ وابنِ خزيمة فجيِّدٌ أيضًا،وإن صَحَّحَ له كالدارقطنيِّ والحاكم،فأقلُّ أحوالهِ: حُسْنُ حديثه،وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاقُ اسم"الثقة"على من لم يُجْرَح،مع ارتفاع الجهالةِ عنه؛ وهذا يُسمَّى: مستورًا،ويُسمىَّ: محلهُّ الصدق،ويقال فيه: شيخ" [2] .

وقال الزركشي في (نكته على ابن الصلاح ) : "قال الحافظ جمال الدين المزي: المراد بقولهم"شيخ"أنه لا يترك ولا يحتج بحديثه مستقلًّا" [3] .

وقال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام ) في بعض الرواة: "فأما قول أبي حاتم فيه:"شيخ"فليس بتعريف بشيء من حاله إلا أنه مقل،ليس من أهل العلم،وإنما وقعت له رواية أُخذت عنه " [4] .

وقال ابن القطان أيضًا: (وذكر [يعني عبد الحق الإشبيلي] من طريق الدارقطنى(4125 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِىُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِىَّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ » . [5]

ثم قال: محمد بن عمرو شيخ،وهذا الحديث المحفوظ فيه موقوف؛ انتهى ما ذَكر؛ وليس هذا بيان علته،وإنما علته أن هذا الرجل مجهول الحال لا يعرف إلا برواية ابن وهب عنه؛ وقد جازف في قوله فيه:"شيخ"،فإنَّ هذه اللفظة يطلقونها على الرجل إذا لم يكن معروفًا بالرواية ممن أخَذ وأخَذ عنه،وإنما وقعت له روايةٌ لحديث أو أحاديث فهو يرويها . هذا الذي يقولون فيه:"شيخ"،وقد لا يكون مَن هذه صفته من أهل العلم .

وقد يقولونها للرجل باعتبار قلة ما يرويه عن شخص مخصوص،كما يقولون: حديث المشايخ عن أبي هريرة أو عن أنس فيسوقون في ذلك روايات لقوم مقلين عنهم وإن كانوا مكثرين عن غيرهم ،وكذلك إذا قالوا: أحاديث المشايخ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما يعنون من ليس له عنه إلا الحديث أو الحديثان ونحو ذلك .

وأبو محمد [6] لم يرَ في هذا الرجل القول بأنه شيخ،فإنهم لم يقولوا ذلك فيه فيما أعلم،وإنما رأى في كتاب ابن أبي حاتم سؤال أبي محمد أباه وأبا زرعة عنه،فقالا: هو شيخ لابن وهب [7] ،فهذا شيء آخر،ليس هو الذي ذكر،فإن لفظة"شيخ"لفظة مصطلَح عليها كما تقدم،فأما لفظة شيخ لفلان فإنه بمعنى آخر .

والمقصود أن تعلم أن هذا الرجل لم تُنقَل لنا عدالتُه؛ ثم هو قد خالفه فيه عبد الرزاق،فرواه عن ابن جريج،فوقفه ولم يرفعه . [8]

فإذن إنما ترجح الموقوف،لأنه عن ثقة،والمرفوع عمن لا نعلم عدالته،فاعلم ذلك"؛ هذا كله كلام الحافظ ابن القطان [9] ."

وقال أيضًا: (لفظ"شيخ"لا يعطي معنى التعديل المبتغى ولا أيضًا التجريح ) [10] .

وقال الدكتور قاسم علي سعد في (مباحث في علم الجرح والتعديل ) عقب قول ابن القطان هذا ونقَلَ قبلَه قولَه الذي قبْله:"وقد أيقظ ابنُ القطان في كلامه الأول إلى فائدة مهمة،وهي أنهم قد يُطلقون لفظة الشيوخ على الثقات الذين هم دون الأئمة الحفاظ؛ فحماد بن سلمة مثلًا شيخ في قتادة بالنسبة لهشام الدستوائي أو شعبة أو ابن أبي عروبة،لخفة ضبطه عنه بالنسبة لهم" [11] .

وقال الزيلعي:"قال ابن القطان: الرازيان يعنيان بذلك أنه ليس من أهل العلم وإنما هو صاحب رواية" [12] .

وقال ابن رجب في (شرح علل الترمذي ) :"والشيوخ في اصطلاح أهل العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره" [13] .

وقال ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل ) : "وإذا قيل:"شيخ"فهو بالمنزلة الثالثه،يكتب حديثه وينظر فيه،إلا أنه دون الثانية " [14] .

وقال الترمذي في"سننه"في بعض الرواة:"وهو شيخ ليس بذاك،فقال المباركفوري في كتابه (تحفة الأحوذي ) [15] في شرح هذه العبارة (وهو شيخ ليس بذاك ) :"أي بذاك المقام الذي يوثق به"أي روايته ليست بقوية،كذا في الطيبي؛ وظاهره يقتضي أن قوله"وهو شيخ" للجرح،وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم"شيخ"من ألفاظ مراتب التعديل."

فعلى هذا يجيء إشكال آخر في قول الترمذي،لأن قولهم ليس بذاك من ألفاظ الجرح اتفاقًا،فالجمع بينهما في شخص واحد جمع بين المتنافيين .

فالصواب أن يُحمل قوله"وهو شيخ"على الجرح بقرينة مقارنته بقوله"ليس بذاك"وإن كان من ألفاظ التعديل،ولإشعاره بالجرح لأنهم وإن عدوه في ألفاظ التعديل صرحوا أيضًا بإشعاره بالقرب من التجريح .

أو نقول: لا بد في كون الشخص ثقةً من شيئين: العدالة والضبط،كما بُيِّن في موضعه،فإذا وُجد في الشخص العدالةُ دون الضبط يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية،فإذا كان كذلك لا يكون الجمع بينهما جمعًا بين المتنافيين؛ كذا في قواعد التحديث السيد جمال الدين رحمه الله؛ كذا في المرقاة )" [16] ."

وهذا نص عبارة ابن أبي حاتم - وهي في الجرح والتعديل حيث قال:"وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى:"

فإذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن ثبتٌ،فهو ممن يحتج بحديثه.

وإذا قيل له: إنه صدوق،أو محله الصدق،أو لا بأس به،فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية.

وإذا قيل: شيخ،فهو بالمنزلة الثالثة،يكتب حديثه وينظر فيه،إلا أنه دون الثانية.

وإذا قيل: صالح الحديث،فإنه يكتب حديثه للاعتبار.

وإذا أجابوا في الرجل بـ (لين الحديث ) فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا.

وإذا قالوا: ليس بقوي فهو بمنزلة الأولى في كِتبة حديثه إلا أنه دونه.

وإذا قالوا: ضعيف الحديث،فهو دون الثاني،لا يطرح حديثه،بل يعتبر به.

وإذا قالوا: متروك الحديث،أو ذاهب الحديث،أو كذاب،فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه،وهي المنزلة الرابعة" [17] ."

قلتُ: وبعد نظري فيمن قال عنهم ( شيخ ) فقط أن أحاديثهم قليلة،وفيهم من هو حسن الحديث،وفيهم لين الحديث وفيهم المجهول،فلا نستطيع الجزم بأنه يقصد في هذه المرتبة حسن الحديث،وابن أبي حاتم فرَّق بين الثقة وبين الصدوق،وهذا يدلُّ بيقين على أن من قال فيه شيخٌ ليس هو الصدوق،فهو ما ذكرت تمامًا،ومن ثم فلا يجوز تفسير كلامه بهذا الشكل غير المنضبط . [18]

2-ما قاله أبو داود السجستاني - وهو تلميذ الإمام أحمد - في رسالته لأهل مكة:"وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على أنه متصل،وهو مثل الحسن عن جابر والحسن عن أبي هريرة والحكم عن مقسم عن ابن عباس" [19] .

وقال فيها أيضًا [20] :"وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء،وإذا كان في حديثه منكر بينت أنه منكر [21] وليس على نحوه في الباب غيره، ثم قال:"فإنْ ذُكِرَ لَك عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - سُنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا خَرَّجْتُه،فاعْلَم أنَّه حَدِيث واهٍ،إلَّا أَن يكون فِي كتابي من طَرِيق (آخر ) ، (فإنِّي ) لم أخرج الطّرق (بِهِ ) ، (فإنَّه يكثر ) عَلَى المتعلم،وَلَا أعرف أحدا جَمَعَ عَلَى الاستقصاءِ غَيْرِي [22] "."

وَنقل النَّوَوِيّ النَّص الْمُتَقَدّم عَن أبي دَاوُد - الَّذِي (شَارك ) ابْن الصّلاح فِيهِ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد - ثمَّ قَالَ: وَهَذَا يُشْكِلُ؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يُبَيِّنْها،مَعَ أَنَّهَا مُتَّفق عَلَى ضعفها عِنْد الْمُحدثين،كالمرسل،والمنقطع،وَرِوَايَة مَجْهُول . ك «شيخ» ،و «رجل» ،وَنَحْوه،فَلَا بدّ من تَأْوِيل هَذَا الْكَلَام .

قَالَ: وليعلم أَن مَا وَجَدْنَاهُ فِي «سنَنه» ،وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا،وَلَا نَصَّ عَلَى صِحَّته أَو حسنه أحد مِمَّن يعْتَمد،وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن عِنْد أبي دَاوُد أَو صَحِيح،فَيحكم بِالْقدرِ الْمُحَقق،وَهُوَ أَنه حسنٌ . فإنْ نصَّ عَلَى ضعفه من يُعْتَمدُ،أَو رَأَى الْعَارِفُ فِي سَنَده مَا يَقْتَضِي الضعْف،وَلَا جابِرَ لَهُ حَكَمْنَا بضعفه .

وَقد قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه:"إِن أَبَا دَاوُد يخرج الإِسنادَ الضَّعِيف إِذا لم يجدْ فِي الْبَاب غَيره؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْده من رَأْي الرِّجَال".

وَقَالَ الْخطابِيّ:"كتاب أبي دَاوُد جَامع للصحيح وَالْحسن،وأَمَّا الضَّعِيف فإنَّه خَليٌ مِنهُ . قَالَ: وإنْ وَقع مِنهُ شيءٌ - لضربٍ من الْحَاجة - فإنَّه لَا يَأْلُو أَن يبِّين أمره،وَيذكر علته،ويَخْرُجَ من عهدته".

قَالَ:"ويُحكى لنا عَن أبي دَاوُد أنَه قَالَ: مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا اجْتمع الناسُ عَلَى تَركه".

وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أول «أَطْرَافه» :"صنف أَبُو دَاوُد كِتَابه الَّذِي سمَّاه «السّنَن» ،فأجاد فِي تصنيفه وَأحسن،وَقصد أَن يَأْتِي فِيهِ بِمَا كَانَ صَحِيحا مشتهرًا،أَو غَرِيبا (حسنا ) مُعْتَبرا،ويطرح مَا كَانَ مطَّرحًا مستنكرًا، (ويجتنب ) مَا كَانَ شاذًّا مُنْكرا".

قلتُ: وَمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِيهِ نظر؛ فإنَّ فِي «سنَنه» أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها،مَعَ أنَّها ضَعِيفَةٌ كالمرسل،والمنقطع،وَرِوَايَة مَجْهُول: كشيخ،وَرجل،وَنَحْوه،كَمَا سَلَفَ .

وَأجَاب النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَنه» (عَنهُ ) : بِأَنَّهُ - (وَهُوَ ) مُخَالف أَيْضا لقَوْله:"وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَيَّنْتُه"لَمَّا كَانَ ضَعْفُ هَذَا النوعِ ظَاهرا،اسْتَغنَى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه"."

قلتُ: فعلَى كل حَال لَا بُدَّ من تَأْوِيل كَلَام أبي دَاوُد،والحقُّ فِيهِ مَا قَرَّره النَّوَوِيّ .

وَأمَّا قَول الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي:"سنَن أبي دَاوُد من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب"فَفِيهِ تساهلٌ كبيرٌ،وتَأَوَّلَه النوويُّ عَلَى إِرَادَة الْمُعظم . [23]

ونقل ابن الصلاح في مقدمته قال:"وروينا عنه - يعني أبا داود - أيضا ما معناه أنه يذكر في كل باب أصحَّ ما عرفه في ذلك الباب" [24] .

قال ابنُ الصلاحِ:"فعلى هذا ما وجدناه في كتابِهِ مذكورًا مطلقًا،وليس في واحدٍ من الصحيحينِ،ولا نَصَّ على صحتِهِ أحدٌ ممَّنْ يُميِّزُ بين الصحيحِ والحسنِ عرفناه بأنَّهُ من الحسَنِ عند أبي داودَ . وقد يكونُ في ذلك ما ليسَ بحسَنٍ عند غيرِهِ،ولا مندرجٍ فيما حقّقنا ضبطَ الحسنِ به".

وقد اعترضَ أبو عبد اللهِ محمدُ بنُ عمرِ بنِ محمدِ الفِهريُّ الأندلسيُّ المعروفُ بابن رُشَيد،على كلامِ ابنِ الصَّلاحِ فقال:"ليس يلزمُ أنْ يُستفادَ من كونِ الحديثِ لم ينصَّ عليه أبو داودَ بضَعْفٍ،ولا نَصَّ عليهِ غيرُهُ بصحةٍ أنَّ الحديثَ عند أبي داودَ حسنٌ . إذْ قد يكونُ عنده صحيحًا،وإنْ لم يكن عندَ غيرِهِ كذلك". وقال أبو الفتح اليعمريُّ:"وهذا تعقّبٌ حسنٌ" [25] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ دَاسَةَ:"سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يقول: كَتَبْتُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمْسَ مائَةَ أَلْفِ حَدِيْثٍ،انْتَخَبْتُ مِنهَا مَا ضَمَّنْتُهُ هَذَا الكِتَابَ -يَعْنِي: كِتَابَ (السُّنَنِ ) - جمعتُ فِيْهِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيْثٍ وثمَانِي مائَةِ حَدِيْثٍ،ذَكَرْتُ الصَّحِيْحَ،وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ" [26] .

وقال الذهبي:"قَالَ ابْنُ دَاسَةَ:"سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ،يقول: ذَكَرْتُ فِي (السُّنَنِ ) الصَّحِيْحَ وَمَا يُقَارِبَهُ،فَإِنْ كَانَ فِيْهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ"."

قُلْتُ - الذهبي-: فَقَدْ وَفَّى -رَحِمَهُ اللهُ- بِذَلِكَ بِحَسَبِ اجتِهَادِهِ،وَبَيَّنَ مَا ضَعْفُهُ شَدِيْدٌ،وَوَهْنُهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ،وَكَاسَرَ عَنْ مَا ضَعْفُهُ خَفِيْفٌ مُحْتَمَلٌ،فَلاَ يَلْزَمُ مِن سُكُوْتِهِ - وَالحَالَةِ هَذِهِ - عَنِ الحَدِيْثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا عِنْدَهُ،وَلاَ سِيَمَا إِذَا حَكَمْنَا عَلَى حَدِّ الحَسَنِ بِاصطِلاَحِنَا المولَّد الحَادِث،الَّذِي هُوَ فِي عُرْفِ السَّلَفِ يَعُودُ إِلَى قِسمٍ مِن أَقسَامِ الصَّحِيْحِ،الَّذِي يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ جُمْهُوْرِ العُلَمَاءِ،أَوِ الَّذِي يَرْغَبُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ،وَيُمَشِّيَهُ مُسْلِمٌ،وَبَالعَكْسِ،فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَدَانِي مَرَاتِبِ الصِّحَّةِ،فَإِنَّهُ لَوْ انْحَطَّ عَنْ ذَلِكَ لخَرَجَ عَنِ الاحْتِجَاجِ،وَلَبَقِيَ مُتَجَاذَبًا بَيْنَ الضَّعْفِ وَالحَسَنِ،فَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ أَعْلَى مَا فِيْهِ مِنَ الثَّابِتِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ،وَذَلِكَ نَحْو مِن شَطْرِ الكِتَابِ،ثُمَّ يَلِيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ،وَرَغِبَ عَنْهُ الآخَرُ،ثُمَّ يَلِيْهِ مَا رَغِبَا عَنْهُ،وَكَانَ إِسْنَادُهُ جَيِّدًا،سَالِمًا مِن عِلَةٍ وَشُذُوْذٍ،ثُمَّ يَلِيْهِ مَا كَانَ إِسْنَادُهُ صَالِحًا،وَقَبِلَهُ العُلَمَاءُ لِمَجِيْئِهِ مِن وَجْهَيْنِ لَيِّنَيْن فَصَاعِدًا،يَعْضُدُ كُلُّ إِسْنَادٍ مِنهُمَا الآخَرُ،ثُمَّ يَلِيْهِ مَا ضُعِّفَ إسنَادُهُ لِنَقْصِ حِفْظِ رَاوِيهِ،فَمِثْلُ هَذَا يُمَشِّيْهِ أَبُو دَاوُدَ،وَيَسْكُتُ عَنْهُ غَالِبًا،ثُمَّ يَلِيْهِ مَا كَانَ بَيِّنَ الضَّعْفِ مِن جِهَةِ رَاوِيْهِ،فَهَذَا لاَ يَسْكُتُ عَنْهُ،بَلْ يُوْهِنُهُ غَالِبًا،وَقَدْ يَسْكُتُ عَنْهُ بِحَسْبِ شُهْرَتِهِ وَنَكَارَتِهِ،وَاللهُ أَعْلَمُ" [27] ."

3 -قال ابن حجر في كتابه المحرر النفيس النكت على مقدمة ابن الصلاح حول شرط أبي داود [28] :"وفي قول أبي داود: (وما كان فيه وهن شديد بينته ) ،ما يفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد؛ أنه لا يبينه،ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي،بل هو على أقسام:"

1-منه ما هو على شرط الصحيحين أو على شرط الصحة.

2-ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.

3-ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد.

وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا.

4-ومنه ما هو ضعيف،لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا.

وكلُّ هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها.

كما نقل ابن منده عنه: أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره،وأنه أقوى عنده من رأي الرجال.

وكذلك قال ابن عبد البر: كلُّ ما سكت عليه أبو داود؛ فهو صحيح عنده،لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره.

ونحو هذا ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله ابن المنذر عنه: أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره.

وأصرح من هذا ما روينا عنه فيما حكاه أبو العز بن كادش [29] أنه قال لابنه: لو أردت أن أقتصر على ما صح عندي؛ لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء،ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث: أني لا أخالف ما يُضَعَّف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه. [30]

ومن هذا ما روينا من طريق عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بالإسناد الصحيح إليه؛ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يقول: لَا تَكَادُ تَرَى أَحَدًا نَظَرَ فِي الرَّأْيِ إلَّا وَفِي قَلْبِهِ دَغَلٌ .. [31]

وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَلَدٍ لَا يَجِدُ فِيهِ إلَّا صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ مِن سَقِيمِهِ وَأَصْحَابَ رَأْيٍ،فَتَنْزِلُ بِهِ النَّازِلَةُ،فَقَالَ أَبِي: يَسْأَلُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ،وَلَا يَسْأَلُ أَصْحَابَ الرَّأْيِ،ضَعِيفُ الْحَدِيثِ أَقْوَى مِن الرَّأْيِ [32] .

فهذا نحو مما حكي عن أبي داود،ولا عجبَ؛ فإنه كان من تلامذة الإمام أحمد،فغير مستنكر أن يقول: قوله" [33] ."

قلتُ: بل إن ابن تيمية يرى أن شرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود قال في التوسل والوسيلة [34] :"وَلِهَذَا نَزَّهَ أَحْمَدُ مُسْنَدَهُ عَنْ أَحَادِيثِ جَمَاعَةٍ يَرْوِي عَنْهُمْ أَهْلُ السُّنَنِ كَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِثْلِ مَشْيَخَةِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزني عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُد يَرْوِي فِي سُنَنِهِ مِنهَا فَشَرْطُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَجْوَدُ مِن شَرْطِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ". [35]

(1) 1ج/ص3-4 )

(2) - (ص37-38 )

(5) - والمستدرك للحاكم (8007 ) وصححه ووافقه الذهبي

(6) - هو العلامة عبد الحق .

(7) - الجرح والتعديل (8/32 ) .

(8) - كما في سنن الدارقطنى (4126 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو الأَزْهَرِ قَالاَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ لاَ يَرِثُ الْيَهُودِىُّ وَلاَ النَّصْرَانِىُّ الْمُسْلِمَ وَلاَ يَرِثُهُمْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَ الرَّجُلِ أَوْ أَمَتَهُ. مَوْقُوفٌ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ .

(9) - في (بيان الوهم والإيهام ) (3/538-540 ) (1318 )

(10) - نسخة دار الكتب المصرية (2/ ورقة 14أ ) ، كما في (مباحث في علم الجرح والتعديل ) (ص40 ) .

(11) ص40 )

(12) - في (نصب الراية ) (4/233 )

(16) - انظر معجم لسان المحدثين (ج 3 / ص 103 )

(18) - انظر معجم لسان المحدثين (ج 5 / ص 114 ) و (منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها ) (ص154-166 ) للعاني

(19) - ص 3

(20) - (رسالة أبي داود إلى أهل مكة ت محمد الصباغ - المكتب الإسلامي - ط3(ص25 ) فما بعدها

(21) - قال ابن رجب:"ومراده أن لم يخرج لمتروك الحديث عنده ، على ما ظهر له ، أو لمتروك متفق على تركه ، فإنه قد خرج لمن قد قيل: إنه متروك ، ومن قد قيل: إنه متهم بالكذب ، وقد كان أحمد ابن صالح المصري وغيره ، لا يتركون إلا حديث من اجتمع على ترك حديثه ، وحكَى مثله عن النسائي"شرح علل الترمذي لابن رجب (ج 1 / ص 227 )

(22) - يقصد أحاديث الأحكام

(23) - البدر المنير (ج 1 / ص 300 ) فما بعدها

(24) - (ص33 ) ومقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 5 ) الشاملة 2 والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 5 ) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 115 ) وشرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 53 ) وشرح اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 95 )

(25) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 53 )

(26) - سير أعلام النبلاء (13/210 )

(27) - سير أعلام النبلاء (13/214 )

(28) - انظر: النكت على ابن الصلاح (ج 1 / ص 435 ) وتوضيح الأفكار [ج1 -ص 205 -210] وفتح المغيث [ ج1 -ص 80 ] وتوجيه النظر إلى أصول الأثر [ج1 -ص 368 ]

(29) - هو أحمد بن عبيد الله بن كادش (أبو العز ) محدث من شيوخ ابن عساكر خرج وألّف توفي سنة 556. لسان الميزان (1/218 ) ، معجم المؤلفين (1/308 )

(30) - حكى أبو موسى المديني المتوفى سنة 581 هذه الرواية في خصائص المسند (ص27 ) من الجزء الأول من مسند أحمد تحقيق أحمد محمد شاكر ثم ردها ثم قال:"فلعله كان أولا ثم أخرج منه ما ضعف".

(31) - انظر جامع بيان العلم (2/170 ) .

(32) - الأحكام لابن حزم (ج 6 / ص 792 ) وإعلام الموقعين (ج 1 / ص 76 ) وإيقاظ همم أولي الأبصار (ج 1 / ص 119 )

(33) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ج 1 / ص 13 ) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث (ج 1 / ص 76 ) والنكت على ابن الصلاح (ج 1 / ص 437 )

(34) ص82 ) طبعة دار العروبة ومجموع الفتاوى (ج 1 / ص 250 )

(35) - هذا وقد نقل الصنعاني هذه الأقوال قول ابن منده وابن عبد البر وأبي العز ابن كادش والنجم الطوفي. انظر توضيح الأفكار (1/197- 198 ) . وتحرير علوم الحديث لعبد الله الجديع (ج 3 / ص 145 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت