فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 43

مصادرُ الحديثِ الصَّحيح والحسن

1 ـ الصحيحان للبخاري ومسلم

2 ... -سنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة

3 ... - جامع الأصول لابن الأثير للشيخ عبد القادر الأرناؤوط

4 ... -صحيح ابن خزيمة

5 ... -صحيح ابن حيان الإحسان تحقيق شعيب الأرناؤوط

6 ... -الفتح الرباني شرح مسند الإمام احمد للساعاتي, وكذا مسند الإمام أحمد بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط

7 ... -مستدرك الحاكم

8 ... -السنن الكبرى للبيهقي

9 ... -مجمع الزوائد للهيثمي

10 ... -المطالب العالية لابن حجر

11 ... -مصنف عبد الرزاق

12 ... -مصنف بن أبي شيبة

13 ... -فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي

14 ... -شرح السُّنَّة للبغوي

15 ... -السلسلة الصحيحة للألباني

16 ... -صحيح الجامع الصغير وزياداته له

17 ... -سنن الدارمي

18 ... -الترغيب والترهيب للمنذري

19 ... -موسوعة السُّنَّة النبوية للمؤلف ـ الشيخ علي بن نايف الشحود - مخطوطة

خاتمةٌ

خلاصةُ هذا الموضوع

1-حديثُ الآحاد الصحيح والحسن لا خلاف بين أهل العلم في وجوبِ العمل به, وهناك اختلافُ كبير بين العلماء حول إفادة خبر الواحد العدل القطع واليقين أم غلبة الظنِّ.

2-الحديث المتواتر يفيد القطع واليقين, وتبنى عليه أصولُ العقيدة وأصولُ الشريعة, ويوجبُ العمل, ويكفر منكره بعد إقامة الحجَّة عليه .

3-جواز العمل بالحديث الضعيف- ضعفًا يسيرًا- في الفضائل والترغيب والترهيب والزهد والمغازي والقصص ونحو ذلك,دون العقائد, والأحكام في الحلال والحرام, وهذا مذهب عامة أهل العلم, بل نقل الإمام النوويُّ رحمه الله الإجماع عليه, كما تساهلوا في عدم ذكر ضعفهِ . ولكن الإمام النوويَ شرط بيان الضعفِ كما هو مبين في فتاويه . [1]

4-جوازُ العملِ بالحديث الضعيف- ضعفًا يسيرًا- في الأحكام إذا لم يوجد في الباب حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ, كما مرَّ عن الإمام أحمد وأبي داود, وهو منقول عن أبي حنيفة,بل نقله الإمام ابن القيم عن عامة أهل العلم [2] . وقد ذكرنا أمثلة على ذلك, مع ضعف الأحاديث فيها عند المحدِّثين, ومع هذا فقد ذهب أهل العلم إلى العمل بها .

5-جوازُ العمل بالحديث الضعيف إذا انتشر وتلقته الأمة بالقبول, وهذا متفقٌ عليه أيضًا .

? جواز العمل بالضعيف إذا كان له شواهد ومتابعات،كما هو صنيع الإمام الترمذي رحمه الله .

6-ما نقِلَ عن بعض العلماء كالقاضي أبي بكر العربي وغيره من عدم العمل به مطلقًا, فما هو موجود في كتبهم يغاير ذلك, مع التفريق في المواضيع, وقد وجه بعضهم فيما إذا كان شديد الضعفِ والله أعلم .

7-ما ذكره بعض العلماء أن الحديث الضعيف عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله, يعني به الحسن عند غيره, فهذا القولُ يردُّه قول الإمام أحمد نفسه وفعله, وإنما هو الضعيف كما هو عند عامة المحدِّثين .

كل هذا دالٌّ على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ونحوها, من الترغيب والترهيب والرقائق والزهد والقصص, مما فيه ترغيب في أمور الآخرة, وترهيب وزجر عن المعاصي, شريطة ألا يكون الضعفُ شديدًا, مع تبيان سبب الضعف, وأن يروَى بصيغة التمريض, ليعرَفَ أنه غير صحيح - خاصة ممن يشتغل في الحديث وعلومه - وأما في الأحكام ونحوها من الحلال والحرام, فلا يصحُّ الأخذ به طالما فيه أحاديث صحيحة أو حسنة, أمَّا إذا خلا الباب من الصحيح وما يقاربه, ولم يبق إلا الضعيف, فالأولى الانكفافُ لأجلهِ,استحبابًا لا وجوبًا . لأنه أولى من رأي الرجال,لذا يؤخذ به احتياطًا, لأن رأيَ الرجال محضُ اجتهادٍ, قد يخطئ وقد يصيب, أمَّا الحديث الضعيف فقد يكون - هو في الأصل- حديثًا قد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - , وقد لا يكون،فإن كان قد قاله - وإن لم يصح السند- فهو قد أخذ حظَّهُ من العمل به،لأننا مطالبون بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعه, وإن لم يصحَّ فقد عملنا بالأصل العام الذي اندرج الحديثُ تحته .

أمَّا في العقائد فلا يؤخذ به, لأنه لا بدَّ من القطع أو الجزم بصحته،وليس في العقائد ظنٌّ أو احتياطٌ . [3]

8-لا يعمل بالحديث الضعيف إذا كان هناك حديثٌ صحيحٌ أوحسنٌ, يغني عنه في المسألة نفسٍها،إذا وصل ذلك للمحدِّثِ أو الفقيهِ أو الزاهدِ.

9-لا يجوزُ معارضةُ الحديث الصحيح بضعيفٍ أصلًا, وإنما يعارضُ بمثله أو بما هو أقوى منه .

10-الحرصُ على السُّنَّة النبوية الشريفة بعمومها - لأنها- إضافة إلى أنها من الوحي الذي خصَّ الله به نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - , فهي - المتممُ والمفسِّرُ والمقيِّدُ .. لما في القرآن الكريم, وهي المصدر الثاني للتشريع .

11-العملُ على نشر السُّنَّة النبوية والتمسكِ بها, والعمل بما جاء فيها, لأن ما ثبت فيها كما ثبت في القرآن الكريم ،فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِى شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِىِّ وَلاَ كُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَلاَ وَلاَ لُقَطَةٌ مِن مَالِ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ » [4] ..

12-العملُ على منع غير أهل الاختصاص من تحقيق كتب الحديث،وتخريجها, والتعليق عليها, وفضحهم - خاصة ممن ثبتت خيانته, وتغييره واعتداؤه, كما كان يفعلُ الأئمة في القرون الأولى, لأن خطأ هؤلاء كبير, والخلط الذي يقع في تلك الكتب جسيمٌ .

13-يجبُ نشرُ الأحاديث المقبولةِ بين طلاب العلم في بداية تحصيلهم العلمي,وتحاشي الضعيف فما دون, إلا بعد تمكنهم من التمييز بينهما, وحفظ العدد الكثير من الأحاديث المقبولة ( الصحيحة والحسنة بشقيها )

14-لا يجوز رواية الأحاديث الواهيةِ والموضوعةِ إلا على سبيل القدحِ والتحذير منها،وبالطبع لا يجوز العمل بها بتاتا,كما لا يجوزُ روايةُ القصصِ والخرافاتِ والإسرائيلياتِ المنافيةِ لشرعِنا إلا مع بيانِ بطلانها.

15-على طالبِ العلم أنْ لا يحدِّثَ بحديثٍ حتى يعرفَ أهو صحيح أم لا, وعليه تحرِّي الصحةَ في أقواله ومواعظه ما أمكن ذلك .

16-إذا كان في الحديثِ ( الصحيح والحسن بشقيه والضعيفِ ضعفًا يسيرا ) إشكالٌ في معناه فيجبُ شرحُ معناهُ وفق أصولِ التفسيرِ الموضوعة في هذا الفنِّ, مع الرجوع لكتب مشكل الحديث ككتاب الإمام الطحاوي ونحوه .

17-على طالبِ العلم عدمُ التسرُّع في الحكم على حديثٍ ما إلا بعد التأكُّد منْ أقوالِ أهلِ العلمِ فيه, وبعد البحث عن شواهده وطرقه ومتابعاته.

18-إنَّ علماء الجرح والتعديل منهم المتشددُ, ومنهم المعتدلُ, ومنهم المتساهلُ, وقد ذهب عامةُ علماء الحديث إلى اعتماد الاعتدال في الجرح والتعديل, مع شروطه المعروفة, لذا لا يحسن اعتماد منهج المتشددين في تجريح الرواة, والحكم على الحديث بالضعف،ولا اعتماد منهج المتساهلين في تعديل الرواة, والحكم على الحديث بالصحة أو الحسن, فكلاهما مخالف لعامة أهل العلم, فلو أخذنا بقول المتشددين- كما يفعل كثير من علماء العصر - لأنكرنا كثيرا من السُّنَّة النبوية الثابتة, ولو أخذنا بمنهج المتساهلين في الجرح والتعديل - ككثير من السابقين وبعض اللاحقين, لنسبنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله, وخير الأمور أوسطها, قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ..} (143 ) سورة البقرة.

19-لا يجوزُ الخروج على القواعد والضوابط التي وضعت للحكم على الحديث صحة وضعفًا, فيجب اعتماد ما ذهب إليه جمهور علماء الحديث .

20-عدم اعتماد الشاذِّ من آراء العلماء, وجعله دينًا, يتسلَّطُ به على الرقاب،وإن كان صاحبه ذا مرتبةٍ عالية مرموقةٍ, لأنَّ الكثرةَ مظنَّةُ الصوابِ, سواء كان ذلك في الحكم على الحديث أو الفكرة أو الجرح أو التعديل .

21-إنَّ عمل الفقهاء بالحديث الضعيف - إذا لم يكن في الباب حديثٌ مقبولٌ- هو خيرٌ من آراء الرجال, لذا ما من أمامٍ إلا وعمل بحديث ضعيف في الأحكام, حتى من نُسِبَ منهم إلى التشدد في ذلك .

22-إَّنَّ تقسيمَ كتب الحديث المعتمدة - اليوم- إلى صحيح وضعيف: هو خروجٌ عن مذهب علماء الأمة والمتقدمين والمتأخرين, واعتداء على أصحاب تلك الكتب،لأنه ما من واحدٍ منهم إلا كان بإمكانه تقسيم كتابه إلى ذلك, لأنهم حفاظٌ متقنون،وقادرون على ذلك, فلما لم يفعلوا دلَّ على اعتماد منهج معين عنده, ومن أراد تقسيم كتابٍ منها فليفعل ذلك لنفسه من غير اعتداء على كتب الأقدمين, خاصة ونحن نرى ما في تلك الكتب الجديدة من خروج على منهج السابقين, سواء في التصنيف أو الجرح والتعديل, ولكن لا مانع من اختصار أي كتاب كان وتهذيبه, ليكون بين يدي عامة الناس, كما فعل الأقدمون حيث اختصروا بعض الكتب من أجل عامة الناس, وليس للعلماء, كمختصر صحيح البخاري ومختصر صحيح مسلم, ومختصر الترغيب والترغيب والترهيب مثلا, وأن يبين منهجه في الاختصار بشكل دقيق وواضح, دون الخروج عن القواعد والضوابط التي وضعت في هذا الفنِّ .

23-إنَّ إدراجَ الحديث الضعيف - ضعفًا يسيرًا- مع الموضوع في حكم واحد, والتحذير منهما معًا, واعتبارهما خطرًا على الأمة: هو اعتداءٌ سافرٌ على علماء الأمة, سلفِها وخلفِها, الذين فرَّقوا بين الضعيف ضعفًا يسيرًا وبين شديد الضعف, وبين الموضوع, بل وبدعة منكرة لا أساس لها من الدِّينِ،وعدم فهم لكلام العلماء السابقين, وتقويلهم ما لم يقولوا, حيث إننا لا نجد أحدا من العلماء السابقين ساوى بين الحديث الضعيف ( ضعفًا يسيرًا ) والحديث الموضوع،فيجب التفريق بين الأمرين حكمًا وعملًا .

24-هناك فرق كبير بين منهج المحدِّثين ومنهج علماء السير والمغازي في التصنيف, مع أن كل علماء السير والمغازي الأوائل من علماء الحديث, ومع هذا فقد اختطوا لأنفسهم منهجًا في السير والمغازي يختلف عن منهج روايات الحديث, وذلك بذكر الرواية في السيرة من غير سندٍ, أو بذكر بعضه وإرسال الباقي, لذا فإن من الخطأ تطبيق منهج المحدِّثين - مع أنه تأخر لفترة من الزمن - على فعل أهل المغازي والسير .

فلو أخذنا بمنهج المحدِّثين في نقد روايات السيرة النبوية - كما فعله بعض المعاصرين - لوقعنا في أخطاء جسيمة, ولتركنا جزءا مهمًا جدًّا من السيرة النبوية العطرة, والتي أمرنا الله تعالى بالإقتداء بصاحبها - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21 ) سورة الأحزاب .

لذلك نجد أن من كتب في السيرة النبوية من المحدثين, كالإمام ابن كثير رحمه الله, لم يسلك مسلك المحدثين في روايات السيرة ولا تلميذه الإمام الذهبي في السير ولا التاريخ, فدلَّ ذلك على أن ما فعله هؤلاء المعاصرون - مع تقديرنا لجهودهم- هو مخالفٌ لما عليه كتَّابُ السيرة من السلف والخلف فهناك فرق كبير بين رواية الموضوعات والمناكير في السيرة النبوية - كما فعله بعض المتقدمين - وبين رواية الضعيف المحتمل, الذي لا يخالف الصحيح والمشهور منها, بل يعضدها ويؤيدها .

25-لا يجوز فتح باب نقد المتون, وإعمال العقول القاصرة في النقد - كما يفعل بعض علماء العصر, الذين أنكروا كثيرًا من الأحاديث المتفق على صحتها, بحجة مخالفتها لعقولهم القاصرة - فإنه إذا فتحَ هذا البابُ نكون بذلك قد فتحنا باب شرٍّ على السُّنَّة،لن يغلقَ بسهولةٍ بعد ذلك, بل يجبُ علينا الوقوف صفًّا واحدًا في وجه التحديات, والطعون التي تسلَّطُ على السُّنَّة النبوية - سواء من الكفار أو من قبل بعض المسلمين الذين تأثروا بحضارة الغرب العفنة, وبمقاييسها الضحلة،الذين يوجهون سهامهم بقصد التشويش والتشكيك, وردِّ شبههم ودحض مفترياتهم .

26-على كلِّ طالب علم يخاف الله تعالى أن يبحث مسائل الخلاف بموضوعية تامة, بعيدًا عن ضغوط الواقع ومنحنياته المتعرجة, وليكن رائده نصرة الحقِّ ليس إلا, ولكن عليه جمع شتات المسألة المتنازع فيها من مصادرها الرئيسة, وبحثها بحثًا هادئا،والنظر في أدلة المختلفين بدقةٍ تامةٍ, بعيدًا عن الآراء المسبقة, وضيق الأفق, راجيًا من بحثه لمَّ شعث المختلفين, ورأب الصدع, بعيدًا عن التجريح, وأن يكون رائده قول الأئمة السابقين"قولي صوابٌ يحتملُ الخطأَ, وقولُكَ خطأُ يحتمل ُ الصوابَ", فجميعُ القضايا المختلف فيها بين أئمة الإسلام, لا تتعدى ذلك, فليس فيها حقٌّ وباطلٌ, وإنما صوابٌ وخطأٌ أو بين بين, فكلُّهم على خير, وكلهم كان عمدته السُّنَّة النبوية المطهرة بعد القرآن الكريم , فلسنا بأحرصَ على السُّنَّة منهم, فكلُّ بحثٍ يفرِّقُ جمع المسلمين, ويشتِّتُ كلمتهم لا خيرَ فيه .

27-على المسلمين - خاصة أهل العلم, والغيورين منهم - أن يمسكوا عما بينهم من خلاف في الفروع,احتمله الأقدمون, وكذا فيما لا يخرج من الملة, لأنَّ الإسلام في هذا الزمان في محنةٍ شديدةٍ, والسهام موجهةٌ عليه من كلِّ حدَبٍ وصوبٍ, لذا لزم على المسلمين رصَّ صفوفهم فيما بينهم, ونسيان ما بينهم من خلاف،لملاقاة العدو الأكبر, والذي تسلَّط على كثير من بلدان المسلمين الواحدة بعد الأخرى .

إنَّ مثل المسلمين فيما بينهم كنار تشتعل, فعلى الجميع أن يتعاونوا على إطفائها, بأن يسكبَ كلُّ واحدٍ منهم ما يقدر عليه من الماء على تلك النار, ويطفئ منها ما يستطيع, حتى تنطفئ, وإلا فإن النار سوف تستعرُ, وتصلُ إلى الجميع, والمشتكى إلى الله تعالى .

إنَّ نقاط الالتقاء بين المسلمين لا يمكنُ عدُّها لكثرتها, أمَّا نقاط الخلاف الحقيقية فهي محدودة جدًّا،لذا على الغيور على دينه أن يعلم أن الخلاف شرٌّ،فعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ:حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ:سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يقول: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضى الله عنه - بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ:صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ, وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ, وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ, فَلَيْتَ حَظِّى مِن أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ .متفق عليه . [5]

زاد أبو داود في روايةٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا قَالَ:فَقِيلَ لَهُ:عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ: الْخِلاَفُ شَرٌّ. [6]

فالخلاف شرٌّ وبلاءٌ, فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة ؟؟ .

28-إبراز منهج المحدِّثين, وأنه لا يوجد فنٌّ في العالم خُدِمَ كما خدمتِ السُّنَّة النبويةُ, كل ذلك من أجل الحفاظ على الشريعة, إذ لولا الجهود المضنية التي بذلها علماء الحديث رحمهم الله تعالى وأسكنهم فسيح جناته, لحصل في رسالة الإسلام ما حصل في الرسالات الأخرى،ولكنَّ الله تعالى الذي تكفَّل بحفظ هذا الدين قيَّضَ له هؤلاء الجهابذة, فبذلوا الغالي والنفيس قبل الرخيص في سبيل الحافظ عليه .

وهاتان قصتان عنهم الأولى عن أحفظ الصحابة على الإطلاق فعَنْ مُحَمَّدٍ،قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ،فَتَمَخَّطَ،فَمَسَحَ بِرِدَائِهِ،وَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي تَمَخَّطَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الكَتَّانِ،لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُّ فِيْمَا بَيْنَ مَنْزِلِ عَائِشَةَ وَالمِنبَرِ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مِنَ الجُوْعِ،فَيَمُرُّ الرَّجُلُ،فَيَجْلِسُ عَلَى صَدْرِي،فَأَرْفَعُ رَأْسِي،فَأَقُوْلُ: لَيْسَ الَّذِي تَرَى،إِنَّمَا هُوَ الجُوْعُ،قُلْتُ: كَانَ يَظُنُّهُ مَنْ يَرَاهُ مَصْرُوْعًا،فَيْجْلِسُ فَوْقَهُ لِيَرْقِيْهِ،أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. [7]

والثانية عن أبي حاتم الرازي رحمه الله،قال عبد الرحمن سَمِعْتُ أَبِي يقول: بَقِيْتُ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ،ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ بِالبَصْرَةِ،وَكَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُقِيْمَ سَنَةً،فَانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي،فَجَعَلْتُ أَبِيْعُ ثِيَابِي حَتَّى نَفِدَتْ،وَبَقَيْتُ بِلاَ نَفَقَةٍ،وَمَضَيْتُ أَطُوْفُ مَعَ صَدِيْقٍ لِي إِلَى المَشْيَخَةِ،وَأَسْمَعُ إِلَى المَسَاءِ،فَانْصَرَفَ رَفِيْقِي،وَرجَعْتُ إِلَى بَيْتِي،فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ المَاءَ مِنَ الجُوْعِ،ثُمَّ أَصْبَحْتُ،فَغَدَا عَلَيَّ رَفِيْقِي،فَجَعَلْتُ أَطُوْفُ مَعَهُ فِي سَمَاعِ الحَدِيْثِ عَلَى جُوْعٍ شَدِيْدٍ،وَانصَرَفْتُ جَائِعًا،فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ،غَدَا عَلَيَّ،فَقَالَ: مُرَّ بِنَا إِلَى المَشَايِخِ. قُلْتُ: أَنَا ضَعِيْفٌ لاَ يُمْكِنُنِي.قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟

قُلْتُ: لاَ أَكْتُمُكُ أَمْرِي،قَدْ مَضَى يَوْمَان مَا طَعمتُ فِيْهِمَا شَيْئًا.فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ مَعِيَ دِيْنَارٌ،فَنِصْفُهُ لَكَ،وَنَجْعَلُ النِّصْفَ الآخَرَ فِي الكِرَاءِ،فَخَرَجْنَا مِنَ البَصْرَةِ،وَأَخَذْتُ مِنهُ النِّصْفَ دِيْنَار.

(1) - فتاوى الإمام النووي 301-302

(2) - انظر أعلام الموقعين 1/30-31 وخصائص المسند (27 )

(3) - انظر كتاب خطورة مساواة الضعيف بالموضوع ص 111-113

(4) - مسند أحمد (17637 ) وهو حديث صحيح ،يقرى: يكرم الضيف ويقوم بحق ضيافته

(5) - صحيح البخاري (1084 ) ومسلم (1628 )

وفي شرح النووي على مسلم (ج 3 / ص 5 ) : قَوْله: (فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَع رَكَعَات رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ ) مَعْنَاهُ: لَيْتَ عُثْمَان صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَدَل الْأَرْبَع كَمَا كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي صَدْر خِلَافَته يَفْعَلُونَهُ . وَمَقْصُوده كَرَاهَة مُخَالَفَة مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَصَاحِبَاهُ ، وَمَعَ هَذَا فَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مُوَافِق عَلَى جَوَاز الْإِتْمَام ، وَلِهَذَا كَانَ يُصَلِّي وَرَاء عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مُتِمًّا ، وَلَوْ كَانَ الْقَصْر عِنْده وَاجِبًا لَمَا اِسْتَجَازَ تَرْكه وَرَاء أَحَد .

(6) - سنن أبى داود (1962 ) حديث صحيح ،قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَوْ كَانَ الْمُسَافِر لَا يَجُوز لَهُ الْإِتْمَام كَمَا يَجُوز لَهُ الْقَصْر لَمْ يُتَابِعُوا عُثْمَان إِذْ لَا يَجُوز عَلَى الْمَلَأ مِنْ الصَّحَابَة مُتَابَعَته عَلَى الْبَاطِل ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ رَأْيهمْ جَوَازَ الْإِتْمَام وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَار عِنْد كَثِير مِنْهُمْ الْقَصْر ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْد اللَّه أَتَمَّ الصَّلَاة بَعْد ذَلِكَ وَاعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ الْخِلَاف شَرّ ، فَلَوْ كَانَ الْإِتْمَام لَا يَجُوز لَكَانَ الْخِلَاف لَهُ خَيْرًا مِنْ الشَّرّ إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا صَلَّى عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ كَانَ اِتَّخَذَهَا وَطَنًا . وَعَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَ الْأَمْوَال بِالطَّائِفِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيم بِهَا ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا قَدِمَ عَلَى أَهْل أَوْ مَاشِيَة أَتَمَّ الصَّلَاة . وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل بِمِثْلِ قَوْل اِبْن عَبَّاس اِنْتَهَى . عون المعبود (ج 4 / ص 348 )

(7) - سير أعلام النبلاء (2/591 ) ومثلها كثير عنه رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت