قال الفتوحي - رحمه الله - في شرح الكوكب المنير [1] :"وَيُعْمَلُ بِـ"الْحَدِيثِ"الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ"عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُوَفَّقِ وَالأَكْثَرِ [2] .
قَالَ:أَحْمَدُ:"إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ , وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمَا لَا يَضَعُ حُكْمًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ" [3] ..
وَاسْتَحَبَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ الاجْتِمَاعَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي رِوَايَةٍ. فَدَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لَوْ كَانَ شِعَارًا.
وَفِي"الْمُغْنِي"فِي صَلاةِ التَّسْبِيحِ:"الْفَضَائِلُ لا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْخَبَرِ" [4] ،وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ لَيْلَةَ الْعِيدِ. فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّعَارِ وَغَيْرِهِ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي"أُصُولِهِ".
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى،لا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ. وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ صَلاةَ التَّسْبِيحِ لِضَعْفِ خَبَرِهَا عِنْدَهُ [5] ،مَعَ أَنَّهُ خَبَرٌ مَشْهُورٌ عُمِلَ بِهِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الأَئِمَّةِ [6] ،وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَيْضًا التَّيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْهُ [7] ،مَعَ أَنَّ فِيهِ أَخْبَارًا وَآثَارًا [8] .
وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَسَائِلِ الْفُرُوعِ [9] .
قَالَ:بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ،لا فِي إثْبَاتِ مُسْتَحَبٍّ وَلا غَيْرِهِ [10] .
قَالَ:الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ قَوْلِ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ. قَالَ: الْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ،وَتَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بِالإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ وَوَقَائِعِ الْعَالِمِ،وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ،لا اسْتِحْبَابٍ وَلا غَيْرِهِ. لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلا يَضُرُّ،وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا.
وَقَالَ:فِي"شَرْحِ الْعُمْدَةِ"فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ: وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ إنَّمَا يَسُوغُ فِي عَمَلٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ. فَإِذَا رُغِّبَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عُمِلَ بِهِ. أَمَّا،إثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلا.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الضَّعِيفِ،كَابْنِ لَهِيعَةَ وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ. فَيُقَالُ لَهُ. فَيقول: أَعْرِفُهُ أَعْتَبِرُ بِهِ،كَأَنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ،لا أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ [11] . وَيقول: يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَيقول: الْحَدِيثُ عَنِ الْجُعْفِيِّ قَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ. وَقَالَ: كُنْت لا أَكْتُبُ حَدِيثَ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ،ثُمَّ كَتَبْته أَعْتَبِرُ بِهِ [12] . وَقَالَ:أَيْضًا: مَا أَعْجَبَ أَمْرَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ [13] مِن أَعْجَبِهُمْ،يَكْتُبُ عَنِ الرَّجُلِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ [14] .
وَفِي"جَامِعِ"الْقَاضِي: أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ لا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْمَآثِمِ [15] .
وَقَالَ:الْخَلاَّلُ: مَذْهَبُهُ - يَعْنِي: الإِمَامَ أَحْمَدَ - أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ قَالَ:بِهِ [16] .
وَقَالَ:فِي كَفَّارَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ: مَذْهَبُهُ فِي الأَحَادِيثِ،إنْ كَانَتْ مُضْطَرِبَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ قَالَ:بِهَا.
وَقَالَ:أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقِي لَسْت أُخَالِفُ مَا ضَعُفَ مِنَ الْحَدِيثِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ مَا يَدْفَعُهُ. اهـ
قلت: وهذا واضح تماما في نقل رأي الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة،ولكن ما ذكره من أن الإمام أحمد لم يأخذ ببعض الأحاديث الضعيفة،فهذا لا يعارض مذهب أحمد،فقد يكون سبب الترك أنه قد ورد ما يعارضها فأخذ به،أو أنها تشتمل على بعض التفاصيل التي لم يرد من طريق صحيح ما يشبهها،حتى تندرج تحته .
ــــــــــــــــ
(1) - شرح الكوكب المنير (ج 2 / ص 569 ) فما بعدها والتحبير شرح التحرير (ج 4 / ص 1948 )
(2) - وهو المعتمد عند الأئمة.
(3) - رواه الخطيب بسنده في"الكفاية ص 134"ورواه النوفلي عن أحمد انظر: المسودة ص 273و"انظر: المجموع للنووي 1/ 59، المسودة ص 273، الكفاية ص 33، قواعد التحديث ص 113، مقدمة ابن الصلاح ص 49، تيسير التحرير 3/ 37، المدخل إلى مذهب أحمد ص 97، الأجوبة الفاضلة ص 228 وما بعدها".
(4) - المغني لابن قدامة 2/ 98.
(5) - قال ابن قدامة:"فأما صلاة التسبيح، فإن أحمد قال: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونَفَضَ يده كالمنكر""المغني 2/ 98".
(6) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ « يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلاَ أُعْطِيكَ أَلاَ أَمْنَحُكَ أَلاَ أَحْبُوكَ أَلاَ أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ أَنْ تُصَلِّىَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِى أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِى كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى عُمُرِكَ مَرَّةً » . سنن أبى داود (1299 ) وهو حديث حسن
(7) - قال ابن قدامة:"المسنون عند أحمد:"التيمم ضربة واحدة""المغني 1/ 179-180"."
واستدل الحنابلة بما رواه أحمد أحمد (18814 ) وغيره عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يُونُسُ إِنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ « ضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهِ » . وَقَالَ عَفَّانُ إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ فِى التَّيَمُّمِ « ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ » . (صحيح ) ، وهو قول عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق والصادق والإمامية، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث.
(8) - منها عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ"المستدرك للحاكم (634 ) صحيح وهو قول جمهور الفقهاء. وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية (ج 14 / ص 262 )
(9) - وهو قول البخاري ومسلم وابن حزم ويحيى بن معين وأبي بكر بن العربي"انظر: قواعد التحديث ص 113، المدخل إلى مذهب أحمد ص 97".
(10) - وقيل: يعمل به مطلقًا. قال السيوطي: "وعزي إلى أبي داود وأحمد، لأن ذلك عندهما أقوى من رأي الرجال"."انظر: الكفاية ص 133، قواعد التحديث ص 113، المدخل إلى مذهب أحمد ص 97".
(11) - انظر: المسودة ص 274، 275.
(12) - انظر: المسودة ص 274.
(13) - انظر ترجمته في"تذكرة الحفاظ 1/ 317"
(14) - انظر: المسودة ص 274، قواعد التحديث ص 114، المدخل إلى مذهب أحمد ص 97.
(15) - انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 97.
(16) - انظر: المسودة ص 273، 275، المدخل إلى مذهب أحمد 97.