المبحث الرابع
حكُم رواية الحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا
يجوز عند أهل الحديث وغيرهم رواية الأحاديث الضعيفة والتساهل في أسانيدها من غير بيان ضعفها ـ بخلاف الأحاديث الضعيفة جدا و الموضوعة،فإنه لا يجوز روايتها إلا مع بيان وضعها ـ بشرطين .
أن لا تتعلق بالعقائد،كصفات الله تعالى أو أصول الدين .
أن لا تكون في بيان الأحكام الشرعية الأصلية مما يتعلق بالحلال والحرام.
وقد أجاز بعض الفقهاء العمل بها في الأحكام الشرعية إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منها كالحنفية والحنابلة،بل وجلُّ المذاهب على ذلك كما سنرى .
يعني يجوز روايتها في مثل المواعظ والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك،وممن رُوي عنه التساهل في روايتها سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مَهدي وأحمد بن حنبل . [1]
قال الخطيب البغدادي في الكفاية [2] :"بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ , وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَّا عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ , بَعِيدًا مِنَ الظِّنَّةِ , وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ"
قَالَ:سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ:"لَا تَأْخُذُوا هَذَا الْعِلْمَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِلَّا مِنَ الرُّؤَسَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ , الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ , وَلَا بَأْسَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَشَايِخِ".
وقَالَ:يَحْيَى بْنَ الْمُغِيرَةِ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ , يقول:"لَا تَسْمَعُوا مِن بَقِيَّةَ مَا كَانَ فِي سُنَّةٍ , وَاسْمَعُوا مِنهُ مَا كَانَ فِي ثَوَابٍ وَغَيْرِهِ".
وقالَ النَّوْفَلِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , يقول:"إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ , وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمَا لَا يَضَعُ حُكْمًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ"
وقَالَ:الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يقول:"الْأَحَادِيثُ الرِّقَاقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهَا حَتَّى يَجِيءَ شَيْءٌ فِيهِ حُكْمٌ".
وقَالَ:مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ , يقول:"الْخَبَرُ إِذَا وَرَدَ لَمْ يُحَرِّمْ حَلَالًا , وَلَمْ يُحِلَّ حَرَامًا , وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا , وَكَانَ فِي تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ , أَوْ تَشْدِيدٍ أَوْ تَرْخِيصٍ , وَجَبَ الْإِغْمَاضُ عَنْهُ , وَالتَّسَاهُلُ فِي رُوَاتِهِ".
-مثالُه:ما أخرجه الترمذى في سننه [3] حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ وَبَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالُوا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَكِيمٍ الأَثْرَمِ [4] عَنْ أَبِى تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - » . قَالَ:أَبُو عِيسَى لاَ نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلاَّ مِن حَدِيثِ حَكِيمٍ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِى تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّغْلِيظِ. وَقَدْ رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَنْ أَتَى حَائِضًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ » . فَلَوْ كَانَ إِتْيَانُ الْحَائِضِ كُفْرًا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ. وَضَعَّفَ مُحَمَّدٌ [5] هَذَا الْحَدِيثَ مِن قِبَلِ إِسْنَادِهِ. وَأَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِىُّ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ.
قلتُ: لأن في إسناده حكيمًا الأثرم،وقد ضعفه العلماء .
ــــــــــــــــ
(1) - انظر مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 19 ) وشرح اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 240 ) وقسم الحديث والمصطلح (ج 44 / ص 25 ) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 296 )
(2) - رقم (360-364 ) بتصرف
(3) - برقم (135 )
(4) - حكيم الأثرم .. صدوق 4 .الكاشف [ج1 -ص 348 ] (1208 ) وفي تقريب التهذيب فيه لين من السادسة 4 [ ج1 -ص 177 ] (1481 )
(5) - أي البخاري