رأيُ الجلال الدواني في الضعيف [1] :
قال المحقق جلال الدين الدواني في رسالته أنموذج العلوم:"اتفقوا على أنَّ الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية [2] ،ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحبُّ العملُ بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب"الأذكار" [3] وفيه إشكال لأنَّ جوازَ العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الشرعيةِ الخمسة, فإذا استحبَّ العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوتُه بالحديث الضعيف وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام [4] بالأحاديث الضعيفة, وقد حاول بعضهم التفصي عن ذلك،وقال: إنَّ مرادَ النوويَ أنه إذا ثبت حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ في فضيلةِ عملٍ من الأعمالِ تجوزٌ روايةُ الحديث الضعيفِ في هذا البابِ, ولا يخفَى أنَّ هذا لا يرتبط بكلام النووي فضلًا عن أنْ يكون مرادُه, فكم من فرقٍ بين جوازِ العملِ واستحبابهِ,وبين مجردِ نقلِ الحديث,على أنهُ لو لم يثبت الحديثَ الصحيحَ أو الحسنَ في فضيلةِ عملٍ من الأعمالِ يجوزُ نقلُ الحديث الضعيف فيها،لا سيما مع التنبيه على ضعفه, ومثل ذلك في كتبِ الحديث وغيره كثيرٌ شائعٌ يشهدُ به مَنْ تتبعَ أدنى تتبع,والذي يصلحُ للتعويل أنه إذا وجدَ حديثٌ ضعيفٌ في فضيلةِ عملٍ منَ الأعمال ولم يكن هذا العملُ مما يحتمل الحرمةَ أو الكراهةَ فإنه يجوزُ العملُ به ويستحبُّ, لأنه مأمونُ الخطرِ ومرجوُّ النفعِ, إذ هو دائرٌ بين الإباحةِ والاستحبابِ،فالاحتياطُ العملُ بهِ رجاءَ الثوابِ،وأمَّا إذا دارَ بين الحرمةِ والاستحبابِ, فلا وجهَ لاستحبابِ العمل بهِ, وأمَّا إذا دارَ بين الكراهةِ والاستحبابِ فمجالُ النظرِ فيه واسعٌ, إذ في العملِ دغدغةُ الوقوعِ في المكروهِ وفي التركِ مظنةُ تركِ المستحبِّ, فلينظرْ إن كانَ خطرُ الكراهة أشدَّ بأنْ تكونَ الكراهةُ المحتملةُ شديدةً كان خطرُ الكراهةِ أضعفَ, بأن تكونَ الكراهةُ على تقديرِ وقوعِها ضعيفةً دون مرتبةِ تركِ العمل على تقدير استحبابِه, فالاحتياطُ العملُ به, وفي صورةِ المساواةِ يحتاجُُ إلى نظرٍ تامٍّ والظاهرُ أنه يستحبُّ أيضًا؛ لأنَّ المباحاتِ تصيرُ بالنيةِ عبادةٌ, فكيفَ ما فيه شبهةُ الاستحبابِ لأجلِ الحديثِ الضعيفِ ؟!! [5] "
فجوازُ العملِ واستحبابُه مشروطانِ،أمَّا جوازُ العملِ فبعدمُ احتمالَ الحرمةِ وأمَّا الاستحبابُ فيما ذكر مفصلًا ..
"بقي ههنا شيءٌ وهو أنه عدمُ احتمالِ الحرمةِ فجوازُ العملِ ليس لأجل الحديثِ, إذا لم يوجدْ يجوزُ العملُ أيضًا, لأنَّ المفروضَ انتفاءٌُ الحرمة, لا يقالُ الحديثُ الضعيفُ ينفي احتمالَ الحرمةِ, لأننا نقولُ: الحديثُ الضعيفُ لا يثبتُ به شيءٌ من الأحكام الخمسةِ, وانتفاءُ الحرمةِ يستلزمُ ثبوتَ الإباحةِ, والإباحةُ حكمٌ شرعيٌّ فلا يثبتُ بالحديثِ الضعيفِ ولعل مرادَ النووي ما ذكرنا وإنما ذكر جواز العمل توطئةً للاستحبابِ ."
"وحاصلُ الجوابِ أنَّ الجوازَ معلومٌ منْ خارجٍ والاستحبابَ أيضًا معلومٌ من القواعدِ الشرعيةِ الدالةِ على استحبابِ الاحتياطِ في أمر الدينِ, فلم يثبتْ شيءٌ منَ الأحكامِ بالحديثِ الضعيفِ،بل أوقعَ الحديثُ شبهةَ الاستحبابِ فصارَ الاحتياطُ أنْ يعملَ بهِ, فاستحبابُ الاحتياطِ معلومٌ منْ قواعدِ الشرعِ"انتهى
وقد ناقشَ الدواني رحمه الله الشهابُ الخفاجي في"شرح الشفا"فقال بعد نقله ملخص كلامه المذكور ما صورته:"ما قاله الجلالُ مخالفٌ لكلامِهم برمَّتهِ،وما نقله منَ الاتفاق غيرُ صحيحٍ مع ما سمعته من الأقوال - يعني في العمل بالضعيف - والاحتمالاتُ التي أبداها لا تفيدُ سوى تسويدِ وجهِ القرطاسِ،والذي أوقعَه في الحيرةِ توهُّمه أنَّ عدمَ ثبوتِ الأحكام بهِ متفقٌ عليه وأنه يلزمُ منَ العمل بهِ في الفضائلِ والترغيبِ أنه يثبتُ بهِ حكمٌ منَ الأحكام وكلاهما غيرُ صحيح, أمَّا الأولُ فلأنَّ منَ الأئمةِ منْ جوَّزَ العملَ بهِ بشروطِه وقدَّمه على القياس وأمَّا الثاني فلأنَّ ثبوتَ الفضائلِ والترغيبِ لا يلزمُه الحكمُ, ألا ترى أنه لو رويَ حديثٌ ضعيفٌ في ثوابِ بعضِ الأمورِ الثابتِ استحبابها والترغيبِ فيه،أوفي فضائلِ بعضِ الصحابةِ رضوان الله عليهمِ أو الأذكارِ المأثورةِ,لم يلزمْ مما ذكرَ ثبوتُ حكمٍ أصلًا, ولا حاجةَ لتخصيصِ الأحكامِ والأعمالِ كما توهَّم, للفرقِ الظاهرِ بين الأعمالِ وفضائلِ الأعمالِ, وإذا ظهرَ عدمُ الصوابِ،لأنَّ القوسَ في يدِ غيرِ باريها, ظهرَ أنهُ لا إشكالَ ولا خللَ ولا اختلالَ"اهـ .
وأقولُ: إنَّ للشهابِ ولعًا في المناقشة غريبًا, وإنْ لم يحظَ الواقفُ عليها بطائلٍ, وتلك عادةٌ استحكمتْ منه في مصنفاتِه,كما يعلمُه مَنْ طالعها ولعله هو الذي سوَّد وجهَ القرطاسِ ههنا, إذ لا غبارَ على كلام الجلالِ وأمَّا انتقادهُ عليه بنقله الاتفاقَ على أنَّ الحديثَ الضعيفَ لا تثبتُ به الأحكامُ مع وجودِ الخلاف فيه, فلأنهُ عنى اتفاقَ مدققي النقادِ وأولى اشتراطَ الصحةِ في قبول الإسناد,كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في المذهب الأول في الضعيف [6] ,إن لم نقل إنَّ الجلالَ لم يرَ مقابلَه مما يجدرُ سوقُه مقابلًا حتى يحكي الخلافَ فيه،وكثيرًا ما يترفعُ المؤلفون عن الأقوال الواهيةِ ولو في نظرهِم فيحكونَ الاتفاقَ،ومرادُهم اتفاقُ ذوي التحقيق كما هو معلوم في المؤلفات المتداولة،وأمَّا مناقشتُه بأنَّ ثبوتَ الفضائلِ والترغيبِ لا يلزمُه الحكمُ فإلزامٌ لما لمْ يلتزمْه الجلالُ،لأنه لم يدَّعِهْ وكلامُه في الأعمال خاصةً, فمؤاخذتُه بمطلقِ الفضائلِ افتراءٌ أو مشاغبةٌ وأمَّا قوله: (ولا حاجةَ لتخصيصِ الأحكام إلى آخره ) فشطٌّ منَ القلِم إلى جداولِ الجدلِ الفاضحِ, وهلَ كلامُه إلا في الأحكامِ والأعمالِ ؟!
وتعليلُه بظهورِ الفرق بين الأعمالِ وفضائلِها غيرُ ظاهرٍ هنا لاتحادها في هذا المبحث،لأنَّ إضافةَ الأعمالِ بيانيةٌ أو منْ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ أي الأعمالِ الفاضلةِ, فتأمل لعلكَ ترى القوسَ في يدِ الجلالِ كما رآه الجمالُ"اهـ ."
ــــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 118-120 )
(2) - أي الأساسية
(3) - انظر الأذكار للنووي- (ج 1 / ص 8 )
(4) - الأساسية
(5) - لحديث عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » . صحيح البخاري (1 )
(6) - قلت: لم يثبت هذا النقل عنهما إلا عن ابن حزم رحمه الله ، ومع ذلك فله رأي آخر كمذهب الجمهور ، كما بيناه من قبل ، فارجع إليه إن شئت .