المبحث الثامن
سببُ الأخذ بالحديث الضعيف
إن الحديث الضعيف يضاف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فيقالُ: رويَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهو مندرجٌ تحت أصلٍ عامٍّ, وله شروط معينةٌ, ولذا فإنَّ سبب أخذ العلماء به يعود لأمور ٍ منها:
? لقد سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرواية عن أهل الكتاب, فقال: « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً،وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ،وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [1] ،مع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:« لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ, وَقُولُوا { آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (84 ) سورة آل عمران. [2]
ومعلوم أن أهل الكتاب غيَّروا وبدَّلوا, لكن بقي من كتابهم ما لم يتغيَّر،وما ينقلونه منه فمنه مقطوعٌ بكذبه فهذا لا يصدَّقُ, ومنه ما هو مقطوع بصدقه فهذا يصدَّقُ, ومنه ما لا يعلم حاله, فهو مشكوك فيه, ومع هذا فقد أجاز روايته- ما لم يعلم أنه كذب- فإذا جاز رواية ما هذا حاله, وهو عن أهل الكتاب, فما أضيف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ,ونقلته من أهل الإيمان والإسلام فهو أولى وأولى, والله أعلم .
? إذا كان سببُ ضعف الحديث هو السقطُ في السند, فذلك للجهالة بحال الراوي المحذوف, هل هو ثقة أم لا, والفقهاء الذين أخذوا بالمنقطع نظروا إلى أنَّ هؤلاء من القرون المفضَّلة, وعامَّتهم من الثقات, ولا يروون إلا ما سمعوا،لذا فلحُسنِ الظنِّ بهم أخذوا بمروياتهم .
ثم إن تدوين السُّنَّة النبوية كان قد ابتدأ منذ العهد الأول, وكثرت الكتب المدوَّنة في القرن الأول والثاني, وأصحاب هذين القرنين الغالب عليهم العدالة والحفظ والأمانة, لأنهم من القرون المفضَّلة التي مدحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: « خَيْرُكُمْ قَرْنِى،ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » [3] ..
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى،ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ،وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ » [4] .
ثم إن الانقطاع في السند في تلك العصور كان أغلبه متعمَّدًا،لأنَّ السنَّد لم يعرف قبل الإسلام, ولا في ابتدائه, إنما بدأ الصحابةُ رضي الله عنهم ثم تلاهم التابعون بالتنقير على السَّند من باب الاحتياط على السُّنَّة النبوية, حتى لا يقتحم سورها من ليس أهلًا فيفتضح،ومع هذا فقد وجدَ في التابعين من يروي إرسالًا .
? إذا كان سببُ الضعف ناتجًا عن سوء حفظ الراوي أو وهمه أو غلطه ... وهو لم يصل إلى درجة متدنية جدًّا،فلا يعني أنَّ جميع ما يرويه هو كذلك, بل الغالب على روايته الصواب, وقد يكون قد وهم فيها, فمثل هذا مما يدخل في المتابعات والشواهد, وقد نقِل عن الإمام الدارقطني رحمه الله نماذج كثيرة من هذا النمط, فلو وجد ما يعضده ارتقت روايته إلى الحسن, فإهمالها تضييعٌ لكثير من النصوصِ،التي يمكن أن تحسنَ أو تصحَّ بعد جمع طرقها وشواهدها فيما بعدُ.
? إمَّا إذا كان السببَ نتيجة فحش غلطه وكثرة الوهم في روايته, فهذا وإن كان حديثه منكرًا, لكنْ لا يعني أنَّ كلَّ حديثه كذلك, وإذا كان الكاذب قد يصدقُ, فمنْ كان دون ذلك فمن باب أولى, لذا لو وجدَ له طرق كثيرة مختلفة نحو ذلك فإنه يرتقي إلى مرتبة المستور, كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [5] .
? أمَّا إذا كان السببُ لكونه كذابًا أو متهما به, فهذا مردود بالاتفاق, مع أن الكاذب لا يعني أن كلامه كله كذبًا, لذا فقد يصدق الكذوب, وهذا ما قاله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة رضي الله عنه في قصة حراسته للصدقة, ومجيء الشيطان في الليل يحثو منه كما في الصحيح . [6] ،فإذا كان الكذوب يصدق, فمَن كان دونه فهو أولى .
? إن الأصل في الحديث الضعيف, إذا كان سبب ضعفه الانقطاع, أو سوء حفظ الراوي أو الوهم ... ونحو ذلك هو الصواب, لكن يشكُّ في حديثه, لاحتمال الخطأ, فصار كمن شكَّ في صلاته, هل صلَّى ثلاثا أم أربعًا, فلا يتركْ حديثه, لغلبة الظنِّ على صحته .
? إن الحديث الضعيف إذا كان ضعفه محتملًا -كأن يكون لسقطٍ في السند أو جهالة ٍ أو وهم أو خطأ.. ونحو ذلك هذا يجبر إذا كان له متابعات وشواهدُ, لذا يروَى ويحسَّن بالمتابعات والشواهد،وإن كان سنده ضعيفًا, لأن وجود المتابع والشاهد يزيلُ ما كنا نخشاهُ من الخطأ, وهذا ما تجده بكثرة عند الإمام الترمذي رحمه الله, حيث يحسِّنُ الحديث الضعيف المنجبر بشواهده عندما يقول: وفي الباب [7] .
? إن الحديث الحسن لغيره: هو حديث ضعيف وجدَ له متابعٌ أو شاهدٌ, بمثله أو أحسن حالًا منه, فلولم يذكر الضعيف الذي حُسِّنَ ماذا يكون ؟ أليس في ذلك إهدار للحديث ؟
? كم من حديث ضعيف في سنده, ولكنه صحيح المعنى, لذا فمثله لا يترك.
قال الحافظ ابن عبد البرِّ رحمه الله [8] : ربَّ حديثٍ ضعيفِ الإسنادِ صحيح المعنى ...
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في تعليقه على حديث ابن عمر رضي الله عنهما [9] :
« لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنِ » [10] .فهو وإن لم يصحَّ مسندا, فهو صحيحُ المعنى""
وقال أيضًا في تعليقه على حديث السيدة فاطمة رضي الله عنها فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: « بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذُنُوبِى وَافْتَحْ لِى أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ » . وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: « بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذُنُوبِى وَافْتَحْ لِى أَبْوَابَ فَضْلِكَ » [11] .حديث فاطمة وإن كان منقطعَ السند, فإنه متصلُ المعنى ... [12]
? إن الشروط التي وضعها علماء الحديث للعمل بالحديث الضعيف مهمةٌ جدًّا،وتزيلُ كلَّ إشكالٍ؛ ذلك: إذا كان الضعفُ محتملا ونتيجة قطع في السند أو سوء حفظ أو وهم أو غلط ... ولم يوجد في الباب ما يعارضه وهو مندرج تحت أصل معمول به في الشريعة, فيعمل به احتياطًا, فإنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر, فقد أعطيَ حقَّه من العمل,وإلا لم يترتبْ على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريمٍ,لأنه إنما عمل بالأصل العام،لذا فإخراج علماء الحديث رحمهم الله للحديث الضعيف في مصنفاتهم له ما يبرره،وإنما شددوا احتياطًا على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ,حتى لا يتسلَّطَ عليها من ليس من أهلها, وإلا فلمَ أخرجَ هؤلاء الحافظ تلك الأحاديث في مصنفاتهم, سواء في كتب مفردة أو ضمن الأحاديث الصحيحة, أوليس بإمكانهم تركها, بل حتى الذين أفردوا الصحيح أخرجوها في كتبهم الأخرى, فمن غايرهم فقد خالف منهجهم والله أعلم . [13]
ــــــــــــــــ
(1) - البخاري (3461 ) وسنن أبى داود (3664 ) وانظر طرقه وتخريجه مفصلا في المسند الجامع (ج 11 / ص 427 ) (8665 )
(2) - صحيح البخاري (4485 )
(3) - صحيح البخاري (2651 ،3651 ، 6429 ، 6658 ) ومسلم (6638 )
(4) - صحيح البخاري (2652 ) ومسلم (6632 )
(5) - انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 119 ) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص 109 )
(6) - انظر الحديث في صحيح البخاري (2311 و3275 و5010 )
(7) - انظر الأحاديث التالية في سنن الترمذي رقم (1، 37 ،66 ،155 ،169 ،176 ،184 ... )
(8) -التمهيد 1/58
(9) - عارضة الأحوذي 2/215-216
(10) - أخرجه الترمذي (421 ) وفيه ضعف ، ومعناه: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلاَّ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ.
(11) - سنن ابن ماجه (820 ) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 1 / ص 338 ) (3431 ) ومسند أحمد (27174 ) في سنده ضعف ،ومع هذا فهو صحيح لغيره
(12) - عارضة الأحوذي 2/112 -113
(13) - انظر كتاب خطورة مساواة الضعيف بالموضوع ص 99-103