المبحث العاشر
الجوابُ عن روايةِ بعض كبار الأئمةِ عنِ الضعفاءِ:
قال الإمام النووي في شرح مسلم:"قَدْ يُقَال لِمَ حَدَّثَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ عَنْ هَؤُلَاءِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ:"
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ رَوَوْهَا لِيَعْرِفُوهَا, وَلِيُبَيِّنُوا ضَعْفَهَا؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ فِي وَقْتٍ عَلَيْهِمْ, أَوْ عَلَى غَيْرِهِمْ, أَوْ يَتَشَكَّكُوا فِي صِحَّتِهَا .
الثَّانِي: أَنَّ الضَّعِيف يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِيُعْتَبَرَ بِهِ أَوْ يُسْتَشْهَدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَصْل الْمُتَابَعَات, وَلَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَى اِنْفِرَاده .
الثَّالِث: أَنَّ رِوَايَات الرَّاوِي الضَّعِيف يَكُون فِيهَا الصَّحِيح وَالضَّعِيف وَالْبَاطِل؛ فَيَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يُمَيِّزُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْإِتْقَان بَعْضَ ذَلِكَ مِن بَعْضٍ, وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِمْ مَعْرُوف عِنْدهمْ . وَبِهَذَا اِحْتَجَّ سُفْيَان الثَّوْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه حِين نَهَى عَنْ الرِّوَايَة عَنِ الْكَلْبِيّ, فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ تَرْوِي عَنْهُ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ . [1]
الرَّابِع: أَنَّهُمْ قَدْ يَرْوُونَ عَنْهُمْ أَحَادِيثَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ, وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ, وَالْقَصَص, وَأَحَادِيث الزُّهْد, وَمَكَارِم الْأَخْلَاق, وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَسَائِر الْأَحْكَام, وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ الْحَدِيث يَجُوز عِنْد أَهْل الْحَدِيث وَغَيْرهمُ التَّسَاهُل فِيهِ .
وَرِوَايَة مَا سِوَى الْمَوْضُوع مِنهُ [2] وَالْعَمَل بِهِ, لِأَنَّ أُصُول ذَلِكَ صَحِيحَة مُقَرَّرَة فِي الشَّرْع مَعْرُوفَة عِنْد أَهْله . وَعَلَى كُلّ حَال فَإِنَّ الْأَئِمَّة لَا يَرْوُونَ عَنِ الضُّعَفَاء شَيْئًا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى اِنْفِرَاده فِي الْأَحْكَام, فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يَفْعَلُهُ إِمَامٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ, وَلَا مُحَقِّقٌ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا فِعْلُ كَثِيرِينَ مِنَ الْفُقَهَاء أَوْ أَكْثَرِهِمْ ذَلِكَ, وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَيْهِ, فَلَيْسَ بِصَوَابٍ, بَلْ قَبِيح جِدًّا, وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْرِف ضَعْفَهُ لَمْ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَحْتَجّ بِهِ . فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِالضَّعِيفِ فِي الْأَحْكَام, وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ ضَعْفُهُ, لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَهْجُم عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ مِن غَيْر بَحْثٍ عَلَيْهِ بِالتَّفْتِيشِ عَنْهُ إِنْ كَانَ عَارِفًا, أَوْ بِسُؤَالِ أَهْل الْعِلْم بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا . وَاَللَّه أَعْلَمُ" [3] ."
قلت: وهو كلام في غاية الروعة،وأما كلامه (فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِالضَّعِيفِ فِي الْأَحْكَام ) .
قلت: قد احتجُّوا به في صور كثيرة جدا ولا سيَّما إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه،وهو قول الأكثرين إن لم يكن قول الجميع،وقد مرَّ هذا البحثُ سابقا،إلا إذا قصد شديدَ الضعف أو في أصول الحلال والحرام،فعندئذ يسوغُ كلامُه . والله تعالى أعلم .
ــــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث للقاسمي (ص 115 ) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر (ج 3 / ص 40 )
(2) - والمتروك كذلك على رأي الكثيرين .
(3) - شرح النووي على مسلم (ج 1 / ص 62 ) و1/125-126 وقواعد التحديث 114-115 ، وانظر كلام الإمام أحمد في إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج 1 / ص 97 ) و (ج 5 / ص 60 )