قال الشيخ محمد خلف سلامة تحت عنوان الترغيب والترهيب [1] :
"أمَّا الترغيب فالمراد به تحبيب النفوس في فعل الأعمال الصالحة, ودفعِها إلى ذلك, وذلك بذكر النصوص المبينة لثواب تلك الأعمال والفضل المرجو من فِعلها."
وأما الترهيب فالمراد به التخويف مِن فعل الأعمال السيئة والمعاصي, وذلك بذكر عقوباتها وأضرارها .
والمرادُ بالأعمال الصالحة تلك الأعمال التي ثبت بالآيات أو الأحاديث الثابتة أنها أعمال صالحة, وتشمل الواجبات والمستحبات, ومن المعلوم المقرَّر أن الوجوب والاستحباب حكمان شرعيان لا يثبتان لعمل من الأعمال بحديث ضعيف .
ومثل ذلك يقال في الأعمال السيئة, فالمراد بها: الأعمال التي ثبت بالكتاب والسُّنَّة الثابتة أنها أعمال محرمة, فلا تثبت الحرمة بحديث غير ثابت .
وأما المكروهات فقد ورد في النصوص الشرعية وأصول الدين ترغيب في اجتنابها, فإنَّ في اجتنابها ثوابًا لمن يجتنبها, والتحقيق أن ترك المكروهات لوجه الله هو في الحقيقة داخل في جملة الحسنات والأعمال الصالحة, ومثله ترك المباحات بقصد التفرغ للطاعات والتقوّي عليها, وكذلك فِعلها - أي المباحات - بقصد التقوي على الطاعات: كل ذلك يثاب عليه المرء لأنه عملٌ صالح, و « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ،وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » [2] .
هذا وإنَّ أحاديث الترغيب والترهيب تسمَّى اختصارًا أحاديث الفضائل .
وقد كانت هذه التسمية واحدًا من جملة أسبابٍ أوقعت كثيرًا من أهالي العصور المتأخرة في لبس شديدٍ وغلط بعيد, في هذا الباب؛ فقد خلط أكثرُ العامة وكثير من أشباههم ممن يعدون أنفسهم في جملة طلبة العلم الشرعي بين فضائل الأعمال والأعمال الفاضلة, ففهموا ما قاله كثير من العلماء من أن الحديث الذي فيه ضعف غير شديد وهو غير منكر يعمل به إذا كان واردًا في فضائل الأعمال, أي في الترغيب والترهيب المتقدم معناهما, وإنما مرادهم بذلك ما أسلفتُه, ولكن هؤلاء ظنوا - جهلًا - أن معنى"فضائل الأعمال"هو"الأعمال الفاضلة", فصارت القاعدة التي لخص فيها بعض أهل العلم مذهب الأئمة في الأحاديث الضعيفة, والتي نصُّها (يعملُ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ) , أقول: صار معنى هذه القاعدة عند هؤلاء الجهلة والمتساهلين: (يعمل بالحديث الضعيف في بيان الأعمال الفاضلة ) , وبعبارة أخرى: (الحديث الضعيف يثبت به حكم الوجوب وحكم الاستحباب, للأعمال, لأن الأعمال الواجبة والأعمال المستحبة: أعمال فاضلة ) , وهذا خلط ليس بعده خلطٌ أشد منه ولا أعجب؛ وهكذا نَجَمت كثير من البدع, ونُصرت كثير من الضلالات, وأُميتت كثير من السُّنن, وكيدت كثير من الحقوق, والله وحده المستعان .""
ثم تابع قائلًا:
"هذا جانب مما يتعلق بأحاديث الترغيب والترهيب, وكان السلف يسمونها أيضًا الرقاق, وبقي جانبٌ آخرُ مضادٌّ لهذا الجانب, وهو أنَّ طائفة من طلبة العلم, وقد يكون بينهم بعض العلماء - منعوا رواية الحديث الضعيف أصلًا, ومنعوا الترغيب والترهيب به, وهذا مخالف لطريقة أئمة هذا العلم, والتي نقلها عنهم الخطيب البغدادي في (الكفاية ) و (الجامع ) , ونقلها غيره أيضًا ."
قال الخطيب في (الكفاية ) تحت بابٍ أسماه (باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في فضائل الأعمال ) [3] :
("بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ , وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَّا عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ , بَعِيدًا مِنَ الظِّنَّةِ , وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ") ؛ ثم أسند عدة آثار ...""
ثم قال خلف:
"إن رواية الحديث الضعيف للترغيب به في عمل صالح, أو للترهيب به من عمل سيء: ليست عملًا به ولا تصحيحًا له, والقول الصحيح هو جواز ذلك, فيجوز ذِكر الحديث الضعيف للناس لعلهم ينتفعون بمعناه, ولكن لذلك شروط:"
الأول منها: أنه يجب أن يُقتصر في ذلك على جانب واحد فقط, هو جانب الترغيب والترهيب؛ ويجب أن يكون العملُ المرغَّبُ فيه قد ثبت كونُه واجبًا أو مستحبًّا بالنصوص الثابتة, كما تقدم .
والثاني: أن يكون الحديثُ المرغَّبُ به متنُه غيرُ منكر [4] , وضعفُه غيرُ شديد .
والثالث: أن لا يُوهمَ ذِكرُ الحديث الضعيف أو روايتُه ثُبوتَه, وأن لا يجرّ ذلك أي مفسدةً إلى الدين, مثل أن يوافق الحديثُ هوى بعض الجاهلين أو المبتدعة المتهاونين, فينشره ويحاجج به على رغم معرفته بضعفه؛ ولذلك فإنه يجب أن يبرأ المرغِّب بذلك الحديث من تصحيحه ويبين ضعفه, وأن يبين ذلك بالطريقة التي يفهمها الحاضرون .
فلا يكتفي بالإشارة الغامضة, مثل ما يصنعه بعض الخطباء ونحوهم من الاسترواح والاكتفاء في بيان ضعف الحديث!!
بالإشارة إلى ذلك بأن يذكر الحديث بلفظة (رُوي ) زاعمًا أنها تفيد تضعيف الحديث, وهل يفهم العامة ذلك ؟! .
ولا يكتفي بإطلاق الاصطلاح, مثل أن يقول: هذا الحديث غير ثابت, أو يقول: في إسناده نظر, أو: مختلف في صحته, ونحو ذلك, إذا كان أكثر الحاضرين لا يفهمون مقاصد هذه العبارات .
بل حتى كلمة"ضعيف"ونحوها أرى أن يشرحها الخطيب - إذا رأى حاجةً لذلك - وأن يبين معناها بوضوح تامِّ مناسب لحال المخاطَبين, ويكرر ذلك على المنبر مرات ومرات, مع بيان حكم الحديث الضعيف ومع الترهيب من أن يُنسَبَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء من المرويات غير الثابتة عنه .
ولعل الأولى أنه إذا احتاج إلى ترغيب جماعة في أمر من الأمور, وكان عَلِم - أو خشيَ - تساهلهم في تلقف الأحاديث ولا سيما الغريبة منها ونشرِها بين الناس مع جزمهم بنسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , أقول لعل الأولى هنا إن أبى إلا أن يذكّرهم ويعظهم بمتن ذلك الحديث أن يقول: لهم: ورد في بعض الآثار كذا وكذا, ثم يقول: لهم: هذا ليس بحديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز لأحد أن ينسبه إليه, أو نحو ذلك من الاحترازات المشروعة؛ وصيانة السُّنَّة الصحيحة والذبُّ عنها مع التقصير في جانب الترغيب والترهيب - لو قُدّر وقوع هذا - أولى من ترغيب الناس بما يكون سببًا في انتهاء تلك الصيانة وانتفاء ذلك الذب،قلت: قد حصل تساهل ضار في هذا الباب.
وأرجعُ إلى ما كنتُ فيه, وهو بيان عدم التلازم بين الامتناع من رواية الحديث الضعيف وبين ترك الانتفاع بما قد يرد فيه من الحكم العالية والمواعظ الجليلة, وأزيد على ما تقدم أنَّ طرد ذلك الأصل في الأخبار غير المرفوعة يكون من باب الأولى؛ ولهذا كان العمل على جواز رواية ونشر أحاديث الترغيب والترهيب غير المرفوعة, وإن كانت ضعيفة الأسانيد .
فمن أراد أن يجمع كتابًا أو كلامًا في الزهد من أقوال السلف وأخبارهم رحمهم الله،الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القدماء فإنه لا يُشترط - لجواز نشر تلك المرويات بين الناس - صحةُ أسانيدها, وذلك لأن باب هذه الأخبار هو باب الترغيب والترهيب في مسائل أعمال القلوب المتفق على أنها من أبواب الدين وشعب الإيمان؛كالصبر والشكر والحياء والتوكل والخوف والرجاء ونحوها؛ ثم إن العلماء اختلفوا في رواية الضعيف من أحاديث الترغيب والترهيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتفقوا على منع ذلك, بل الأرجح الذي عليه الأكثر من المتقدمين والمتأخرين هو جواز ذلك [5] ولكن بشروط مشى عليها المتقدمون وفصَّل فيها المتأخرون, وقد تقدم التفصيل في ذلك؛ ولا شكَّ أن الأمر في باب الآثار الموقوفة والمقطوعة أسهل وأقرب, كما تقدم, بل لعل الباحث لا يكاد يقف على كبير نهي لهم عن رواية هذا النوع من الأخبار غير المرفوعة .
بل إن من أراد نشر مثل تلك الآثار وروايتها لغيره،فإن له في هذا المسلك سلفًا من كبار أئمتنا،فتأمل ما جرى عليه من صنَّف في الزهد والأخلاق والأدب ونحوها من أئمة الإسلام وكبار علمائه كابن المبارك ووكيع وأحمد ثم البيهقي في مؤلفاتهم في الزهد والبخاري في الأدب المفرد وما شاكله من كتبه،وابن حبان في روضة العقلاء والآجري في مؤلفاته في الأخلاق والآداب،وكذلك من جمع أبوابًا في الزهد والرقائق ؛كأصحاب السُّنَن وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما،وكذلك من ألَّف أو كتب في هذا الفن وما قاربه أو شاركه في بعض مسائله كفنِّ المناقب والسير ونحو ذلك من المتوسطين والمتأخرين كالخطيب وابن الجوزي وابن قدامة والنووي وابن تيمية والمزي والذهبي وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن حجر وغيرهم،تأمل صنيع هؤلاء العلماء في هذه الكتب وهذه الأبواب تجد أنهم جميعًا تساهلوا في هذا الباب في إيراد ما لا يثبت سنده من غير المرفوعات؛لأن الغاية سماع الحكمة الصحيحة والموعظة الحسنة والعبرة المؤثرة،ولقد كاد أكثر قدماء المحدثين على جواز التساهل برواية المرفوع - فضلًا عن الموقوف والمقطوع - من أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب وكل ما ليس فيه إثبات عقيدة أو تشريع،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً, وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ, وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » رواه البخاري [6] .
أفلا يكفي هذا الترخيص في التحديث عن بني اسرائيل - رغم كل الذي جرى من تحريف في كتبهم وانقطاع فظيع في أسانيدهم - دليلًا ومستنَدًا للتحديث عن أحد من أفاضل علماء المسلمين أو أكابر واعظيهم بخبر تظهر صحة معناه وتشهد له النصوص الثابتة والأصول المقررة أو هي - في الأقل - لا يعارضها ولا تدلُّ على بطلان فيه أو نكارة ؟!"."
قلت: وهذا كلام قيم ورائع،من عالم متبحر في هذا الأمر الجلل .وإنه لمما يناسب هذا المقام أن أسوق فيه جملة من أقوال العلماء في هذا الباب تأييدًا لهذا التأصيل؛ فأقول: روى الخطيب في (اقتضاء العلم العمل ) [7] عن الغلابي قَالَ:"سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُيَيْنَةَ, عَنْ إِسْنَادِ, حَدِيثٍ, قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِإِسْنَادِهِ ؟ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ بَلَغَتْكَ حِكْمَتُهُ وَلَزِمَتْكَ مَوْعِظَتُهُ".
وذكر الماوردي في (أدب الدنيا والدين ) [8] قال: حَدَّثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ:لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ, عَمَّنْ ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِعَمَّنْ, أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ نَالَتْك عِظَتُهُ, وَقَامَتْ عَلَيْك حُجَّتُهُ.
وقال الذهبي في ترجمة الإمام الشافعي من (سير أعلام النبلاء ) [9] : وَبَلَغَنَا عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَلْفَاظٌ قَدْ لاَ تَثْبُتُ،وَلكِنَّهَا حِكَمٌ،فَمِنهَا:
مَا أَفْلَحَ مَنْ طَلَبَ العِلْمَ إِلاَّ بِالقِلَّةِ.
وَعَنْهُ،قَالَ: مَا كَذَبْتُ قَطُّ،وَلاَ حَلَفْتُ بِاللهِ،وَلاَ تَرَكْتُ غُسْلَ الجُمُعَةِ،وَمَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً،إِلاَّ شبعَةً طَرَحْتُهَا مِن سَاعَتِي.
وَعَنْهُ،قَالَ: مَنْ لَمْ تُعِزُّهُ التَّقْوَى،فَلاَ عِزَّ لَهُ. ... اهـ
وقال أبو نعيم في (الحلية ) [10] :"قَالَ:ذُو النُّونِ"صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ .
وَسُئِلَ ذُو النُّونِ لَمْ أَحَبَّ النَّاسُ الدُّنْيَا ؟ قَالَ:"لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا خِزَانَةَ أَرْزَاقِهِمْ فَمَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَيْهَا"،وَقِيلَ لَهُ: مَا إِسْنَادُ الْحِكْمَةِ قَالَ:"وُجُودُهَا"وَسُئِلَ يَوْمًا: فِيمَ يَجِدُ الْعَبْدُ الْخَلَاصَ ؟ فَقَالَ:"الْخَلَاصُ فِي الْإِخْلَاصِ, فَإِذَا أَخْلَصَ تَخَلَّصَ", فَقِيلَ: فَمَا عَلَامَةُ الْإِخْلَاصِ ؟ قَالَ:"إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِكَ صُحْبَةُ الْمَخْلُوقِينَ, وَلَا مَخَافَةُ ذَمِّهِمْ, فَأَنْتَ مُخْلِصٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى" [11]
وَقَالَ:ذُو النُّونِ:"النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا وَحُسَّادُ مَا مُنْعُوا مِن جُهِلَ قَدْرُهُ هُتِكَ سِتْرُهُ قَالَ: وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَيْضِ أَوْصِنِي فَقَالَ: بِمَ أُوصِيكَ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ قَدْ أُيِّدْتَ مِنهُ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ بِصِدْقِ التَّوْحِيدِ فَقَدْ سَبَقَ لَكَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا دُعَاءُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَذَلِكَ خَيْرٌ مِن وَصِيَّتِي, وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَنْ يَنْفَعَكَ النِّدَاءُ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يقول: اسْتَعَبْدَنَا بِالْعَنَاءِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِانْقِيَادِ لَهُ قَالَ: وَسُئِلَ: لِمَ أَحَبَّ النَّاسُ الدُّنْيَا ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا خِزَانَةَ أَرْزَاقِهِمْ فَمَدُّوا أَعْينَهُمْ إِلَيْهَا وَقَالَ: الْحَبِيبُ يَسْبِقُ الِاغْتِفَارَ قَبْلَ الِاعْتِذَارِ وَقَالَ: مَنْ يَسْكُنْ قَلْبُكَ عَلَيْهِ فَلَا تُفْشِ سَرَّكَ إِلَيْهِ وَسُئِلَ: مَنْ دُونَ النَّاسِ غَمًّا ؟ قَالَ: أَسْوَؤُهُمْ خُلُقًا قِيلَ: وَمَا عَلَامَةُ سُوءِ الْخُلُقِ ؟ قَالَ: كَثْرَةُ الْخِلَافِ وَقَالَ: صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ وَسُئِلَ يَوْمًا: فِيمَ يَجِدُ الْعَبْدُ الْخَلَاصَ ؟ قَالَ: الْخَلَاصُ فِي الْإِخْلَاصِ فَإِذَا أَخْلَصَ تَخَلَّصَ, قِيلَ: فَمَا عَلَامَةُ الْإِخْلَاصِ ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِكَ مَحَبَّةُ حَمْدِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا مَخَافَةُ ذَمِّهْمِ فَأَنْتَ مُخْلِصٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.."
وقال الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ) [12] تحت هذه الترجمة (مَا لَا يَفْتَقِرُ كَتْبُهُ إِلَى الْإِسْنَادِ ) كُلُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَفْتَقِرُ كَتْبُهُ إِلَى الْإِسْنَادِ فَلَوْ أُسْقِطَتْ أَسَانِيدُهُ وَاقْتُصِرَ عَلَى أَلْفَاظِهِ فَسَدَ أَمْرُهُ وَلَمْ يُثْبَتْ حُكْمُهُ لِأَنَّ الْأَسَانِيدَ الْمُتَّصِلَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ،قَالَ:عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ:"الْإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ:مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ"
وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّالِحِينَ وَحِكَايَاتُ الزُّهَّادِ وَالْمُتَعَبْدِينَ وَمَوَاعِظُ الْبُلَغَاءِ وَحِكَمُ الْأُدَبَاءِ فَالْأَسَانِيدُ زِينَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي تَأْدِيَتِهَا"قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ:"إِسْنَادُ الْحِكْمَةِ وُجُودُهَا"،وعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ:"وَسَأَلْنَاهُ قُلْنَا: نَجِدُ الْمَوَاعِظَ فِي الْكُتُبِ فَنَنْظُرُ فِيهَا ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ وَإِنْ وَجَدْتَ عَلَى الْحَائِطِ مَوْعِظَةً فَانْظُرْ فِيهَا تَتَّعِظْ قِيلَ لَهُ: فَالْفِقْهُ ؟ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ""
وعن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ, قَالَ:"كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَخُرَاسَانِيٌّ يَكْتُبُ الْكَلَامَ وَلَا يَكْتُبُ الْإِسْنَادَ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَوْ قِيلَ لَهُ: مَالَكَ لَا تُكْتَبُ الْإِسْنَادَ ؟ فَقَالَ:"أَنَا خَانَهْ خَوَاهُمْ نَبَازَارَ", قَالَ:أَبُو طَالِبٍ تَفْسِيرَهُ قَالَ: أَنَا لِبَيْتٍ أُرِيدُهُ لَا لِلسُّوقِ"قَالَ:أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَهُ الْخُرَاسَانِيُّ مِن أَخْبَارِ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَحِكَايَاتِ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ فَلَا بَأْسَ بِمَا فَعَلَ،وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِن أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي إِسْقَاطِ أَسَانِيدِهِ لِأَنَّهَا هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى تَبَيُّنِهِ فَكَانَ يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَنْ أَمْرِهِ وَالْبَحْثُ عَنْ صِحَّتِهِ""
إذا عُلم هذا فليعلم أنه لا بد من الاحتياط الكافي،فعلَى من يجمع أو يروي تلك الأخبار أن يختار من أقوالهم ما لا يرى فيه مخالفة صريحة لشيء من نصوص الوحيين وأصول المعتقد الإسلامي؛ وهذا يقتضي أن لا يُقْدِمَ على مثل هذا العمل إلا من يكون من أهل السُّنَّة والاتباع ومن طلبة العلم النابهين وأهل الاطلاع على العلوم الإسلامية،العقائد والسُّنن والتفسير والسيرة وغيرها...
ــــــــــــــــ
(1) - معجم لسان المحدثين (ج 2 / ص 106 ) فما بعد
(2) - صحيح البخاري (1 ، 2529 ، 3898 ، 5070 ، 6689 ، 6953 )
(4) - لو جرينا على جادة التحقيق والتدقيق لما احتجنا إلى الاحتراز عن المنكر ، فإنه يُغني عنه الاحتراز عن شدة الضعف ، فالمنكر أقل ما يوصف به أنه شديد الضعف ، ولكن المقام مقام تفصيل وبيان لمسألة خطيرة فصار التقسيم المذكور غير منكور ، وعلى مِثله جرى غير واحد من العلماء المتأخرين ممن تكلم في هذه القضية .
(5) - قلت: قد نقل الإجماع على الجواز أكثر من واحد
(6) - صحيح البخاري (3461 )
(7) - اقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (128 )
(8) ص88-89 ) و أدب الدنيا والدين (ج 1 / ص 61 ) الشاملة 2
(11) 14689 -14692 ) هذا كلام ذي النون المصري ينقله يوسف بن الحسين الرازي، وأما في رواية الخطيب الآتية بعد قليل ففيها أن الكلام المتعلق بالحكمة ليوسف الرازي، ولا تنافي، فكأنه سمعها من ذي النون فمرة رواها عنه، ومرة سئل هو عنها فأجاب بما سمعه من ذي النون.
(12) 2/213-215 ) رقم (1654-1661 )