فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 43

قال الأستاذ محمد الصباغ في كتابه القيم الحديث النبوي:"وأحبُّ أن أبدي وجهة نظرٍ في هذا الموضوع،وهي أنني أرى أنَّ هناك فرقًا بين ما يرتضيهِ المسلمُ احتياطًا وورعًا, وبين ما يريدُ أنْ يدعوَ الناسَ إليهِ ليقيموا حياتَهُم على أساسهِ في زمانٍ يُستهدَفُ فيه المسلمونَ منْ كلِّ جانبٍ ."

إنَّ التمييزَ بينَ الأمرينِ هو الذي يحتاجُ إليهُ الدعاةُ, والتفريقُ بينهُما مما تقتضيهِ مراعاةُ المنهجِ الربانيِّ السَّامي الكريمِ, الذي رسمَهُ الإسلامُ للناسِ. لقدْ رأينا أنَّ منْ شروط العملِ بالحديثِ الضعيفِ الاحتياطَ وعدمَ الاعتقاد أنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - قالَهُ .

إذنْ فالاحتياطُ هو الدافعُ الذي يحملُ على العملِ بالحديثِ الضعيفِ, ولذا فقد يبدو أنهُ مقبولٌ أنْ يلتزمَ إنسانٌ طيِّبٌ راغبٌ في الثوابِ بمضمونِ الحديثِ الضعيفِ احتياطًا لنفسِه, لا لاحتمال أنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - قدْ قالَهُ .

ولكنْ ليسَ لهُ أنْ يدعو الناسَ إلى ذلك لسببين:

الأولُ: لأنَّ الحديثَ الضعيفَ ليسَ بثابتٍ, بلِ الأغلبُ أنه ليسَ منْ كلامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - , فكيفَ نُلزِمُ عبادَ اللهِ بما لم يثبتْ لنا أنهُ مما شرعَهُ اللهُ ؟!! .

الآخرُ: لأنَّ قبولَ الناسِ الالتزامَ وأداءَ الواجباتِ محدودٌ, فلماذا لا نصرفُ هممَ الناسِ إلى العملِ بما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - , وهو كثيرٌ ؟! .

وانطلاقًا منْ هذا فإنَّ الحديثَ الذي يقول العلماءُ بضعفِه نؤثرُ عدمَ إلزامِ الناسِ به, وعدمَ روايتِه لهم, إلا أنْ يحتاطَ منْ يأخذُ نفسَهُ بالقوةِ والعزمِ في أمور الدِّينِ, فهذا لهُ العمل بهِ بالشروطِ التي ذكرها الجمهورُ" [1] ."

قلت: مع وجاهة كلامه لكن ما ذهب إليه مخالف لقول جمهور السلف والخلف،من رواية الأحاديث الضعيفة في الفضائل والترغيب والترهيب،وجمعها في مصنفات سواء أكانت مستقلة أو مع الأحاديث المقبولة،والذي يروي هذه الأحاديث للناس لا يلزمهم بها،وإنما يرغبهم ويرهبهم،وكيف يستقيم ما ذهب إليه الأستاذ الصباغ مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً،وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ،وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [2] ،وهذه الحكايات والقصص التي يرويها أهل الكتاب عن أنبيائهم وصالحيهم لا يوجد لواحدة منها إسناد ولو ضعيف - فهل من المعقول أن يسوِّغ لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرواية عن بني إسرائيل مع علمنا بتحريف كتبهم وعدم وجود إسناد لها،ثم لا يسوِّغ لنا أن نروي حديثًا ضعيفًا- ضعفًا يسيرا- لعامة الناس ؟!.

وأما أن تكون على حساب الأحاديث المقبولة،فهذا غير سائغ،ونحن معه في هذه النقطة .

ــــــــــــــــ

(1) - ص 275- 276

(2) - أخرجه البخاري (3461 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت