وكيف ضاعت هذه الجملة ؟ ولم أهملت وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد فانتقى منها ورمى الباقي ؟.
وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب.
وكذلك قال أبو داود: جمعت كتاب السنن من ستمائة ألف حديث.
ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا ولم يحدثوا بها التابعين.
فإن الأمر قد وصل إلى أحمد فأحصى سبع مائة ألف حديث،وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلًا.
ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بلغ خمسين ألفًا.
فأين الباقي ؟.
ولا يجوز أن يقال تلك الأحاديث كلام التابعين؛ فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودونوها وأخذوا بها،ولا وجه لتركها،ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى الطرق،وأن ما توهمه الحاكم فاسد.
ولو عرض هذا الاعتراض عليه،وقيل له: فأين الباقي لم يكن له جواب.
لكن الفهم عزيز. والله المنعم بالتوفيق.
ومثل هذا تغفيل قوم قالوا: إن البخاري لم يخرج كل ما صحَّ عنده،وأن ما أخرج كالأنموذج،وإلا فكان يطول.
وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي،وحكي عن البخاري أنه قال: ما تركت من الصحيح أكثر.
وإنما يعني الطرق،يدل على ما قلته أن الدارقطني وهو سيد الحفاظ جمع ما يلزم البخاري ومسلم إخراجه فبلغ ما لم يذكراه أحاديث يسيرة،ولو كان كما قالوا لأخرج مجلدات،ثم قوله: ما يلزم البخاري دليل صريح على ما قلته،لأنه من أخرج الأنموذج لا يلزمه شيء.
وكذلك أخرج أبو عبد الله الحاكم كتابًا جمع فيه ما يلزم البخاري إخراجه فذكر حديث الطائر فلم يلتفت الحفاظ إلى ما قال.
فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم نقل الحديث عن التدقيق الذي لا يلزم في صحة الحديث،وإنما وقع لقلة الفقه والفهم.
إن البخاري ومسلم تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث،فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا هم،ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة.
وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص. ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه،وتركوا من ذلك الغرائب،وكل ذلك سوء فهم.
ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا،فقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة ولا يقبل القدح حتى يبين سببه.
وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه. فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين"اهـ [1] ."
وقال أيضًا:"درجات الحديث في مسند الإمام أحمد،كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح ؟ فقلت: نعم."
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب فحملت أمرهم على أنهم عوام،وأهملت فكر ذلك.
وإذا بهم قد كتبوا فتاوى،فكتب فيها جماعة من أهل خراسان،منهم أبو العلاء الهمداني يعظمون هذا القول،ويردونه ويقبحون قول من قاله.
فبقيت دهشًا متعجبًا،وقلت في نفسي: واعجبا صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضًا.
وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه،وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد.
وليس كذلك فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء.
ثم هو قد رد كثيرًا مما روى ولم يقل به ولم يجعله مذهبًا له.
أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ مجهول !.
ومن نظر في كتاب العلل الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في المسند،وقد طعن فيها أحمد.
ونقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء في مسألة النبيذ قال: إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر،ولم يقصد الصحيح ولا السقيم.
ويدل على ذلك أن عبد الله قال قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن حراش عن حذيفة ؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي داود ؟ قلت: نعم.
قال: الأحاديث بخلافه. قلت: فقد ذكرته في المسند. قال قصدت في المسند المشهور،فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرد لهذا المسند إلا الشيء بعد الشيء اليسير.
ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث،لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه.
قال القاضي - وقد أخبر عن نفسه - كيف طريقه في المسند فمن جعله أصلًا للصحة فقد خالفه وترك مقصده.
قلت: قد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم في العلم صاروا كالعامة،وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا قد روي.
والبكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." [2] "
بل نجد أن ابن تيمية قد طعن بأحاديث جاءت في مسند أحمد لمخالفتها لوجهة نظره،فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ:قَالَ:رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَالَ:اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَاىَ هَذَا فَإِنِّى لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلاَ بَطَرًا وَلاَ رِيَاءً وَلاَ سُمْعَةً وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِى مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِى ذُنُوبِى إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ - أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ » . [3] .
قال عن هذا الحديث:"وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَطِيَّةُ العوفي وَفِيهِ ضَعْفٌ فَإِنْ كَانَ مِن كَلَامِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ مِن هَذَا الْبَابِ لِوَجْهَيْنِ:"
- ( أَحَدُهُمَا ) لِأَنَّ فِيهِ السُّؤَالَ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَقِّ السَّائِلِينَ وَبِحَقِّ الْمَاشِينَ فِي طَاعَتِهِ وَحَقُّ السَّائِلِينَ أَنْ يُجِيبَهُمْ وَحَقُّ الْمَاشِينَ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَهَذَا حَقٌّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى شَيْئًا . وَمِنهُ قَوْله تَعَالَى: { ..كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (54 ) سورة الأنعام،وقَوْله تَعَالَى: { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (47 ) سورة الروم،.... وَفِي الصَّحِيحِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ: « هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ » . قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: « حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا » . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: « يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . فَقَالَ: « هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ » . قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: « حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ » [4] .. وَالْعَبْدُ يَطْلُبُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوَّلًا؛ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْإِعَانَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْهِدَايَةِ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ وَبِذَلِكَ يَصِلُ إلَى الْعِبَادَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
( الْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ الدُّعَاءَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْعَمَلَ لَهُ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْعَبْدِ فَهُوَ كَالتَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالصَّالِحِينَ مِن أُمَّتِهِ،وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالصَّالِحِ إمَّا أَنْ يَكُونَ إقْسَامًا بِهِ أَوْ سَبَبًا بِهِ،فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ"بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك"إقْسَامًا فَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ إلَّا بِهِ،وَإِنْ كَانَ سَبَبًا فَهُوَ سَبَبٌ بِمَا جَعَلَهُ هُوَ سُبْحَانَهُ سَبَبًا وَهُوَ دُعَاؤُهُ وَعِبَادَتُهُ . فَهَذَا كُلُّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دُعَاءٌ لَهُ بِمَخْلُوقِ مِن غَيْرِ دُعَاءٍ مِنهُ وَلَا عَمَلٍ صَالِحٍ مِنَّا .
وَإِذَا قَالَ:السَّائِلُ: أَسْأَلُك بِحَقِّ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَحَقِّ الصَّالِحِينَ؛ وَلَا يقول: لِغَيْرِهِ أَقْسَمْت عَلَيْك بِحَقِّ هَؤُلَاءِ - فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ وَلَا يُقْسِمَ عَلَى مَخْلُوقٍ بِهِ فَكَيْفَ يُقْسِمُ عَلَى الْخَالِقِ بِهِ ؟ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْسِمُ بِهِ وَإِنَّمَا يَتَسَبَّبُ بِهِ فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ ذَوَاتِ هَؤُلَاءِ سَبَبٌ يُوجِبُ تَحْصِيلَ مَقْصُودِهِ،وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِن سَبَبٍ مِنهُ كَالْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ مِنهُمْ كَدُعَائِهِمْ . وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ تَعَوَّدُوا كَمَا تَعَوَّدُوا الْحَلِفَ بِهِمْ حَتَّى يقول: أَحَدُهُمْ: وَحَقُّك عَلَى اللَّهِ وَحُقُّ هَذِهِ الشَّيْبَةِ عَلَى اللَّهِ . وَإِذَا قَالَ:الْقَائِلُ: أَسْأَلُك بِحَقِّ فُلَانٍ أَوْ بِجَاهِهِ: أَيْ أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِي لَهُ وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْوَسَائِلِ . قِيلَ: مَنْ قَصَدَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ،لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَقْصُودَ عَامَّةِ هَؤُلَاءِ،فَمَنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِك وَبِرَسُولِك وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِإِيمَانِي بِرَسُولِك وَمَحَبَّتِي لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي ذَلِكَ.... اهـ [5]
فبان تضعيفه للحديث،وحكمه عليه،مع أنه في مسند أحمد،ونسبه هو للمسند فكيف يقال: هو حسن عنده،وقد حكم عليه أو على راويه بالضعف بالإجماع،وأنه لا تقوم به حجة ؟ والله أعلم .
ومن المعروف أن أبا داود هو تلميذ الإمام أحمد،وعنه أخذ منهجه وأسلوبه ورأيه،بل كان شرطه موافقًا لشرط أبي داود كما قال بعض أهل العلم [6] .
قال ابن تيمية في المسودة [7] :"وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى عليه أبو داود كتاب السُّنن لمن تأمله،ولعله أخذ ذلك عن أحمد فقد بين أن مثل عبد العزيز بن أبي راود ومثل الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه."أهـ
وعلى هذا كذلك درج أئمة الحنابلة،حيث بنوا بعض الأحكام على الأحاديث الضعيفة،وقد نصَّ الإمامُ أحمد رحمه الله نفسه على ضعفها.
قال ابن قدامة في المغني [8] :" ( 130 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْوُضُوءِ ."
ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَسْنُونَةٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا .رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِن أَصْحَابِهِ .
وَقَالَ:الْخَلَّالُ الَّذِي اسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .يَعْنِي إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ .
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ،وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهَا كُلِّهَا؛ الْوُضُوءِ،وَالْغُسْلِ،وَالتَّيَمُّمِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ » ..رَوَاهُ أَبُو دَاوُد [9] ،وَالتِّرْمِذِيُّ،رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَاعَةٌ مِن أَصْحَابِهِ .
قَالَ:الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ .وَقَالَ:التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحْسَنُ .وَهَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ وُضُوءُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ .
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّهَا طَهَارَةٌ،فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّسْمِيَةِ،كَالطَّهَارَةِ مِن النَّجَاسَةِ،أَوْ عِبَادَةٌ،فَلَا تَجِبُ فِيهَا التَّسْمِيَةُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ،وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَالْأَحَادِيثِ،قَالَ:أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ،وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ فِي التَّسْمِيَةِ،وَقَالَ: أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ،عَنْ رُبَيْحٍ - يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - ثُمَّ ذَكَرَ رُبَيْحًا،أَيْ مَنْ هُوَ ؟ وَمَنْ أَبُوهُ ؟ فَقَالَ: يَعْنِي الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ .يَعْنِي أَنَّهُمْ مَجْهُولُونَ،وَضَعَّفَ إسْنَادَهُ .
وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ بِدُونِهَا،كَقَوْلِهِ: « لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِى الْمَسْجِدِ » [10] أهـ
وقال أيضًا [11] :" ( 188 ) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِندِيلِ مِن بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ،قَالَ:الْخَلَّالُ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ."
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَخْذُ الْمِندِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عُثْمَانُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ،وَكَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَنَهَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَرِهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَجَمَاعَةٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَيْمُونَةَ رَوَتْ { أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ فَأَتَيْته بِالْمِندِيلِ،فَلَمْ يُرِدْهَا،وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [12] .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ،وَتَرْكُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ،فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ كَمَا يَفْعَلُهُ،وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي"الشَّافِي"بِإِسْنَادِهِ،عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ. [13] وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ،فَقَالَ: مُنْكَرٌ مُنْكَرٌ .
وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:أَتَانَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَوَضَعْنَا لَهُ غِسْلًا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِحِمَارٍ لِيَرْكَبَ فَقَالَ: « صَاحِبُ الْحِمَارِ أَحَقُّ بِصَدْرِ حِمَارِهِ » . فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحِمَارُ لَكَ [14] . إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَال: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ ...."أهـ"
وقال ابن قدامة أيضًا:" ( 478 ) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَ الْحَائِضَ فِي الْفَرْجِ أَثِمَ،وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى،وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا،يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد،وَالنَّسَائِيُّ،بِإِسْنَادِهِمَا،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى الَّذِى يَأْتِى امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ: « يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ » . [15] ."
وَالثَّانِيَةُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ،وَبِهِ قَالَ:مَالِكٌ،وَأَبُو حَنِيفَةَ،وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يقول: وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً حَائِضًا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - » . [16] رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ الْأَذَى،فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .
وَحَدِيثُ الْكَفَّارَةِ مَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ،وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ: فِي نَفْسِك مِنهُ شَيْءٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّهُ مِن حَدِيثِ فُلَانٍ .أَظُنُّهُ قَالَ: عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَالَ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُنَّا نَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ...." [17] "
وفي"تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق"لابن عبد الهادي [18] :"ومن مذهب أحمد تقديم الحديث الضعيف على القياس،قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ليس في هذا حديث يثبت وأحسنها حديث كثير بن زيد وضعف حديث ابن حرملة وقال: أنا لا آمره بالإعادة وأرجوا أن يجزيه الوضوء لأنه ليس في هذا حديث أحكم به" [19]
وقال ابن قدامة في تعليقه على حديث صلاة التسابيح:"وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهَا،وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً،وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا" [20] .
وقال في معرض حديثه عن الكفاءة في النكاح:" ( 5194 ) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصِّنَاعَةُ, فَفِيهَا رِوَايَتَانِ أَيْضًا؛ إحْدَاهُمَا, أَنَّهَا شَرْطٌ, فَمَنْ كَانَ مِن أَهْلِ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ, كَالْحَائِكِ, وَالْحَجَّامِ, وَالْحَارِسِ, وَالْكَسَّاحِ, وَالدَّبَّاغِ, وَالْقَيِّمِ, وَالْحَمَّامِيِّ, وَالزَّبَّالِ, فَلَيْسَ بِكُفْءٍ لِبَنَاتِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ, أَوْ أَصْحَابِ الصَّنَائِعِ الْجَلِيلَةِ, كَالتِّجَارَةِ, وَالْبِنَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ, فَأَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ, وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: { الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ, إلَّا حَائِكًا, أَوْ حَجَّامًا } [21] "
قِيلَ لِأَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ ؟ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ،يَعْنِي أَنَّهُ وَرَدَ مُوَافِقًا لِأَهْلِ الْعُرْفِ" [22] ."
وغير ذلك مما يدلُّ بشكل واضحٍ مدى أخذ الحنابلة بالحديث الضعيف, اتباعًا لمذهب إمامهم رحمه الله, علما بأن هذه الأحاديث قد رواها الإمام أحمد في مسنده.
وممن استعمل الحسن الاصطلاحي كذلك أبو حاتم الرازي في كتابه الجرح والتعديل كما قال مثلا في محمد بن راشد المكحولي:"قال أبي كان صدوقا حسن الحديث" [23] .
وهذا أمثلة أخرى عند أبي حاتم:
-قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول: إبراهيم بن طهمان صدوق حسن الحديث. [24]
-إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي كوفي روى عن أبيه روى عنه إسحاق بن منصور ومالك بن إسماعيل وأبو كريب وعبد الله ابن سالم القزاز سمعت أبي وأبا زرعة يقول: ان ذلك،قال وسمعت أبي يقول: يكتب حديثه وهو حسن الحديث. [25]
(1) - صيد الخاطر- (ج 1 / ص 82 )
(2) - صيد الخاطر- (ج 1 / ص 100 )
(3) - سنن ابن ماجه برقم (827 ) وفيه ضعف وقد مر = الأشر: الطغيان بالنعمة =البطر: التكبر على الحق فلا يقبله
(4) - صحيح البخارى (5967 ) ومسلم (152 )
(5) - مجموع الفتاوى- (ج 1 / ص 287 ) وانظر مجموع الفتاوى- (ج 1 / ص 340 ) ومجموع الفتاوى- (ج 1 / ص 369 )
قلتُ:فليحملْ تصرفهم على الثاني الصحيح،وإن أخطئوا في العبارة،فلتصحح لهم،ومع هذا فقد ورد ما هو أعظم من ذلك،ولم يؤاخذهم الشارع الحكيم،فعن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ.أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"صحيح مسلم (7136 ) .. فهذا لم يؤاخذه الله تعالى بما تلفَّظ به ؛ لأنه لم يقصده،فالإنسان إذا اشتدَّ فرحه لا يدري ما يقول،كما أنه إذا اشتد غضبه لا يدري ما يقول،وكذلك إذا اشتدَّ حزنه أو كربه .،فلماذا يؤاخذ المؤمنون الموحدون بما دون ذلك ؟ !.
(6) - انظر النكت على ابن الصلاح 1/437-438 وفتح المغيث 1/80
(7) - المسودة - الرقمية- (ج 1 / ص 275 )
(8) - المغني- (ج 1 / ص 174 ) و1/45-146
(9) - سنن أبى داود (102 ) ولا يصح
(10) - مر ، ولا يصح رفعه
(11) - المغني- (ج 1 / ص 245 )
(12) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى خَالَتِى مَيْمُونَةُ قَالَتْ أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا... ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ.صحيح مسلم (748 )
وعَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَمَسَّهُ وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا يَعْنِى يَنْفُضُهُ.صحيح مسلم (750 )
(13) - هو في السنن الكبرى للبيهقي (ج1 / ص185 ) 911- وقال عقبه:"أَبُو مُعَاذٍ هَذَا هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وروي نحوه بسند ضعيف (912 ) عَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ."
(14) - مسند أحمد (24573 ) وهو ضعيف. العكن: جمع عكنة وهى ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا = الورس: نبات يستخدم لتلوين الحرير
(15) - انظر الروايات والطرق في المسند الجامع (ج 9 / ص 340 ) 6468
(16) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 198 ) (14504 ) وصحيح الجامع (5942 ) وهو حديث صحيح
(17) - المغني- (ج 2 / ص 92 )
(18) - (ج 1 / ص 66 )
(19) - وانظر الآداب الشرعية- (ج 2 / ص 409- 419 ) حيث ذكر نقولا كثيرة عنه في العمل بالحديث الضعيف
(20) - المغني- (ج 3 / ص 324 ) قلت: الحديث صحيح ، وقد صححه جمع لطرقه
(21) - انظر طرقه ومناقشتها في البدر المنير (ج 7 / ص 583 ) فما بعد
(22) - المغني- (ج 14 / ص 421 ) وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية (ج 34 / ص 276 )
(24) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 107 )
(25) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 148 )