اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَضَعَ الْجِزْيَةَ فِي رِقَابِ الأَْسْرَى مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِذَا سَأَلُوهُ، كَمَا يَجِبُ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ فِي غَيْرِ أَسْرٍ. [1]
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِفِعْل عُمَرَ فِي أَهْل السَّوَادِ [2] وَقَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ جَوَازِيٌّ، لأَِنَّهُمْ صَارُوا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَكَيْلاَ يَسْقُطَ بِذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنِ اخْتِيَارٍ. [3] وَهَذَا إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَال: وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَال قَوْمٌ: تُؤْخَذُ مِنْ كُل مُشْرِكٍ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ [4] .
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ لِلإِْمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْسَارَى مِنْ غَيْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ، وَوَضَعُوا قَاعِدَةً عَامَّةً هِيَ: كُل مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنَ الرِّجَال، يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، كَأَهْل الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَجَمِ، وَمَنْ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ. [5]
رُجُوعُ الإِْمَامِ فِي اخْتِيَارِهِ:
(1) - المهذب 2/ 236.
(2) - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه أتاه رؤساء السواد وفيهم ابن الرفيل فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قوم من أهل السواد، وكان أهل فارس قد ظهروا علينا، وأضروا بنا، ففعلوا وفعلوا - حتى ذكروا النساء - فلما سمعنا بكم، فرحنا بكم، وأعجبنا ذلك، فلم نرد كفكم عن شيء، حتى أخرجتموهم عنا، فبلغنا أنكم تريدون أن تسترقونا، فقال عمر: «فالآن إن شئتم فالإسلام، وإن شئتم فالجزية» فاختاروا الجزية الخراج ليحيى بن آدم (127) وفيه جهالة
(3) - مطالب أولي النهى 2/ 522، والمهذب 2/ 236.
(4) - بداية المجتهد 1/ 399، 400.
(5) - شرح السير الكبير 3/ 1036، والبدائع 7/ 119، وفتح القدير 4/ 306.