وأما قولهم:
وكثير من العلماء يقولون بعدم جواز قتل الأسير أصلًا. قال ابن رشد في بداية المجتهد:"وقال قوم: لا يجوز قتل الأسير. وحكى الحسن بن محمّد التميمي أنه إجماع الصحابة". وقال ابن كثير في تفسيره:"وقال بعضهم: إنما الإمام مخيّر بين المنّ على الأسير أو مفاداته فقط، ولا يجوز قتله". وقال الآلوسي:"وظاهر الآية: امتناع القتل بعد الأسر وبه قال الحسن".
قلت:
هذا القول غير صحيح بهذا الشكل والصواب عكسه والخلاف وقع فقط في وجوب قتل الأسير أو عدم وجوبه ليس إلا.
وأما قول ابن رشد فهذا نص كلامه من بداية المجتهد كاملا [1] :
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالْعَدُوِّ
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالْعَدُوِّ في الجهاد: فَإِنَّ النِّكَايَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي الْأَمْوَالِ، أَوْ فِي النُّفُوسِ، أَوْ فِي الرِّقَابِ - أَعْنِي: الِاسْتِعْبَادَ وَالتَّمَلُّكَ -. فَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي هِيَ الِاسْتِعْبَادُ: فَهِيَ جَائِزَةٌ بِطَرِيقِ الْإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُشْرِكِينَ - أَعْنِي: ذُكْرَانَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ - إِلَّا الرُّهْبَانَ، فَإِنَّ قَوْمًا رَأَوْا أَنْ يُتْرَكُوا وَلَا يُؤْسَرُوا، بَلْ يُتْرَكُوا دُونَ أَنْ يُعْرَضَ إِلَيْهِمْ لَا بِقَتْلٍ وَلَا بِاسْتِعْبَادٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَيْهِ". وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُسَارَى فِي خِصَالٍ: مِنْهَا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَعْبِدَهُمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَمِنْهَا أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْأَسِيرِ. وَحَكَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَتَعَارُضُ الْأَفْعَالِ،
(1) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد - (ج 1 / ص 313) وبداية المجتهد ونهاية المقتصد - (ج 2 / ص 3)