يَنْصِبْ نَفْسَهُ إِلَيْهِ كَالْفَلَّاحِ وَالْعَسِيفِ. وَصَحَّ النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ. وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ بِالسِّلَاحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ: فَكَرِهَ قَوْمٌ تَحْرِيقَهُمْ بِالنَّارِ وَرَمْيَهُمْ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ. وَأَجَازَ ذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنِ ابْتَدَأَ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ: أَمَّا الْعُمُومُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَتْلًا مِنْ قَتْلٍ. وَأَمَّا الْخُصُوصُ: فَمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي رَجُلٍ:"إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ". وَاتَّفَقَ عَوَّامُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ الْحُصُونِ بِالْمَجَانِيقِ في الحرب حكمه، سَوَاءً كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ وَذُرِّيَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَا جَاءَ:"أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ". وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحِصْنُ فِيهِ أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَكُفُّ عَنْ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: ذَلِكَ جَائِزٌ. وَمُعْتَمَدُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الْآيَةَ. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمَصْلَحَةِ. فَهَذَا هُوَ مِقْدَارُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ بِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَرِقَابِهِمْ. وَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي تَجُوزُ فِي أَمْوَالِهِمْ: وَذَلِكَ فِي الْمَبَانِي وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَأَجَازَ مَالِكٌ قَطْعَ الشَّجَرِ وَالثِّمَارِ وَتَخْرِيبَ الْعَامِرِ في الجهاد، وَلَمْ يُجِزْ قَتْلَ الْمَوَاشِي وَلَا تَحْرِيقَ النَّخْلِ. وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ قَطْعَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَتَخْرِيبَ الْعَامِرِ كَنِيسَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُحَرَّقُ الْبُيُوتُ وَالشَّجَرُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِلَ، وَكَرِهَ تَخْرِيبَ الْبُيُوتِ وَقَطْعَ الشَّجَرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعَاقِلَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُخَالَفَةُ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ:"أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ". وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ:"لَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا"، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ فِعْلَ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِنَّمَا كَانَ لِمَكَانِ عِلْمِهِ بِنَسْخِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُخَالِفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِهِ، أَوْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ لِغَزْوِهِمْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَمَنِ اعْتَمَدَ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ