جِهَةِ السُّنَّةِ مَا تَظَافَرَتْ الْأَخْبَارُ بِهِ مِنْ مُفَادَةِ أَهْلِ بَدْرٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَتْلٌ يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ فَجَازَ تَرْكُهُ إلَى بَدَلٍ كَالْقِصَاصِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ الِاجْتِهَادِ فَمَنْ عُلِمَتْ شَجَاعَتُهُ وَإِقْدَامُهُ أَوْ رَأْيُهُ وَتَدْبِيرُهُ فَالْأَوْلَى قَتْلُهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكَانَ صَانِعًا أَوْ عَسِيفًا فَالْأَفْضَلُ اسْتِبْقَاؤُهُ، وَمَنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ غَنَاؤُهُ عَنْهُمْ قَلِيلًا وَأُخِذَ عَنْهُ عِوَضٌ نَافِعٌ مِنْ مَالٍ أَوْ أَسِيرٍ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فُودِيَ.
وفي المحلى لابن حزم رحمه الله [1] :وَلَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا الْإِسْلَامُ، أَوْ السَّيْفُ - الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - حَاشَا أَهْلَ الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَهُمْ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسُ فَقَطْ، فَإِنَّهُمْ إنْ أَعْطُوا الْجِزْيَةَ أُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ الصَّغَارِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَرَبِ خَاصَّةً فَالْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. وَأَمَّا الْأَعَاجِمُ فَالْكِتَابِيُّ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَيُقَرُّ جَمِيعَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا بَاطِلٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، وَقَالَ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى عَرَبِيًّا مِنْ عَجَمِيٍّ فِي كِلَا الْحُكْمَيْنِ. وَصَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجْرٍ؛ فَصَحَّ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا خَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَ رَبِّهِ تَعَالَى. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: {إنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ثُمَّ تُؤَدِّي إلَيْهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ} فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ، وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَجَمِ لَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ. فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا عَنَى بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ بَعْضَ الْعَجَمِ لَا كُلَّهُمْ، وَبَيَّنَ تَعَالَى مَنْ هُمْ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَطْ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً
(1) - المحلى - (ج 5 / ص 263) مَسْأَلَةٌ (958 - 959)