فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 616

(قَالَ) : أَيْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) : أَيْ لَا يُؤْخَذُ هَذَا بِذَنْبِكَ وَلَا تُؤْخَذُ أَنْتَ بِذَنْبِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ:"أَلَا لَا يَجْنِيَ جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ"، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ قَالَ:"ابْنُكَ هَذَا؟"فَقُلْتُ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ:"ابْنُ نَفْسِكَ؟"قُلْتُ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ:"فَإِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ". وَمِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ مُنْقِذٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي:"ابْنُكَ هَذَا؟"قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ:"حَقًّا؟"قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا مِنْ تَبَيُّنِ شَبِهِي فِي أَبِي وَمِنْ حَلِفِ أَبِي، ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ"قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، انْتَهَى. وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالِاحْتِمَالِ الْعَقْلِيِّ الْمُخَالِفِ لِلدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهُمَا أَوْ يَكُونُ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ. (قَالَ) : أَيْ أَبُو رِمْثَةَ إِعَادَةً لِفَصْلِ الْكَلَامِ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمُ رُجُوعُ ضَمِيرِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يُوجَدْ كَلِمَةُ"قَالَ". (وَرَأَيْتُ الشَّيْبَ أَحْمَرَ) : أَيْ لِقُرْبِهِ مِنَ الْبَيَاضِ أَوْ بِسَبَبِ الْخِضَابِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْبَابِ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ مِيرَكَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ"وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ"زَادَ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ"وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ"، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ:"وَكَانَ قَدْ لَطَّخَ لِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ: فَإِذَا رَجُلٌ لَهُ وَفْرَةٌ بِهَا رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيْتُ بِرَأْسِهِ رَدْعَ حِنَّاءٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ، عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي خِضَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (قَالَ أَبُو عِيسَى) : هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُصَحَّحَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ كُنْيَتِهِ عَلَى اسْمِهِ إِذِ التَّكْنِيَةُ عَنْ صَاحِبِهَا غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَبَعٌ لِشَيْخِهِ وَمُقْتَدَاهُ وَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَيْثُ عَبَّرَ فِي صَحِيحِهِ وَسَائِرِ تَصَانِيفِهِ أَيْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ احْتِمَالًا بَعِيدًا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ التَّلَامِذَةِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَقَالَ الْعِصَامُ: لَمْ يَقُلْ"قُلْتُ " لِئَلَّا يُشْتَبَهَ بِقُلْتُ سَابِقًا، وَلَمْ يَقُلْ"قَالَ"بِالْإِضْمَارِ لِخَفَاءِ الْمَرْجِعِ وَالِاشْتِبَاهِ بَقَالَ سَابِقًا. فَمَنْقَالَ: هُوَ مُدْرَجٌ عَنْ رَاوِي الْكِتَابِ فَكَأَنَّهُ بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ، قُلْتُ: كَلَامُهُ مَعَ بُعْدِهِ أَقْرَبُ مِنَ التَّعْلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالتَّأْوِيلَيْنِ الْمَسْطُورَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ تَوْجِيهِ كَلَامِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (هَذَا) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثِ. (أَحْسَنُ شَيْءٍ) : أَيْ أَرْجَحُ حَدِيثٍ. (رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ) : أَيْ بَابِ الْخِضَابِ. (وَأَفْسَرُ) : مِنَ الْفَسْرِ بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَوْضَحُ رِوَايَةً وَأَظْهَرُ دَلَالَةً. (لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ أَنَّ النَّبِيَّصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ) : أَيْ لَمْ يَصِلْهُ وَلَمْ يَظْهَرِ الْبَيَاضُ فِي شَعْرِهِ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ شَيْبُهُ بِالْحُمْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ أَبُو رِمْثَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةَ بِالْخِضَابِ فِي طَرِيقِ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ أَوْ هِيَ مُؤَوَّلَةٌ كَمَا سَيَجِيءُ، انْتَهَى. يَعْنِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُمْرَةُ الشَّيْبِ بِحُمْرَةِ الْخِضَابِ، هَذَا وَقَدْ قَالَابْنُ حَجَرٍ:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت