وَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ قَتْلَهُ وَحْدَهُ صَعْبٌ، قَالَ اقْتُلُوهُ; وَلِهَذَا تَبَادَرُوا إِلَى قَتْلِهِ، ثُمَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا نَرَى مُحْرِمًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِلًّا بِلُبْسِ الْمِغْفَرِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دُخُولَ الْحَرَمِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخَائِفِ الْمُتَأَهِّبِ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: الْإِحْرَامُ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ حَاجَتُهُ، وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ قَصْدِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ دَخَلَ لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ وَخَشَّاشٍ وَصَيَّادٍ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ لَا تَتَكَرَّرُ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ تَجِبُ مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ دُخُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَدَلِيلُهُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَوَازُ دُخُولِهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِيهَا; لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ فِيهَا، فَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرًا، فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا قُلْتُ: مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ فَرْضِيٌّ غَيْرُ لَازِمِ الْوُقُوعِ; وَلِذَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ، وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَصَحِيحَةٌ، وَلَا يُنَافِيهَا مُخَالَفَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ، فَبَطَلَ إِبْطَالُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ"صِفَةِ"، وَالْعِمَامَةُ بِالْكَسْرِ: مَعْرُوفٌ، وَوَهِمَ الْعِصَامُ حَيْثُ قَالَ: بِالْفَتْحِ كَالْغَمَامَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْمِغْفَرِ وَالْبَيْضَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ بِهَا فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ عَلَى الرَّأْسِ سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَ الْمِغْفَرِ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ مَا يُشَدُّ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمَا يُشَدُّ عَلَى رَأْسِ الْمَرِيضِ أَيْضًا انْتَهَى.
وَيُعَارِضُ الْعِصَامُ وَابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ كَلَامِهِمَا إِيرَادًا وَدَفْعًا (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ حَدَّثَنَا أَخْبَرَنَا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ح) .