وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ إِلَى نِسَاءِ الْجَنَّةِ بِأَجْمَعِهِنَّ وَحَاصِلُهُ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ كُلَّهُنَّ أَنْشَأَهُنَّ اللَّهُ خَلْقًا آخَرَ يُنَاسِبُ الْبَقَاءَ، وَالدَّوَامَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ الْخُلُقِ، وَتَوَفُّرَ الْقُوَى الْبَدَنِيَّةِ، وَانْتِفَاءَ صِفَاتِ النَّقْصِ، وَالزَّوَالِ عَنْهَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا نَعْتَ النِّسَاءِ الَّتِي خَلَقَهُنَّ لِلرِّجَالِ ; فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ، وَقَدْرَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلَيْنِ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً"، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعَجَائِزِ لِسَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ لِأَنَّغَيْرَهُنَّ يَعْلَمُ بِالْمُقَايَسَةِ بَلْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْمٍ الْفِهْرِيِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ.
الشِّعْرُ مَعْرُوفٌ، وَشَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَمِنْهُ شَعَرْتُ كَذَا أَيْ: أَصَبْتُ عِلْمًا دَقِيقًا كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ قِيلَ، وَأَصْلُهُ الشَّعَرُبِفَتْحَتَيْنِ، وَسُمِّيَ الشَّاعِرُ شَاعِرًا لِفِطْنَتِهِ وَدِقَّةِ مَعْرِفَتِهِ فَالشِّعْرُ فِي الْأَصْلِ عَلَمٌ لِلْعِلْمِ الدَّقِيقِ فِي قَوْلِهِمْ لَيْتَ شِعْرِي أَيْ: لَيْتَ عِلْمِي، وَأَمَّا مَا فِي الصِّحَاحِ أَيْ: لَيْتَنِي عَلِمْتُ، فَحَاصِلُ الْمَعْنَى، وَصَارَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِلْمَوْزُونِ الْمُقَفَّى مِنَ الْكَلَامِ، وَالشَّاعِرُ الْمُخْتَصُّ بِصِنَاعَتِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ شَاعِرٌ، فَقِيلَ لِمَا وَقَعَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَةِ الْمَوْزُونَةِ مَعَ الْقَوَافِي يَعْنِي نَحْوَ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ وَنَحْوُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا، نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَقِيلَ أَرَادُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ مَا فِي الشِّعْرِ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ، وَمِنْ ثَمَّةَ سَمَّوُا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ فِي الشِّعْرِ: أَكْذَبُهُ أَحْسَنُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشِّعْرِ أَنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَّعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا ; فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا كَذَا كَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ.
وَأَقُولُ هَذَا الْقَيْدُ يُخْرِجُ مَا صَدَرَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْكَلَامِ الْمَوْزُونِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ ; فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْإِرَادَةِ، وَالْمَشِيئَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْقَصْدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ دُونَ الْمَشِيئَةِ، وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا