صُورَةً مِنْ جَرِيرٍ.
(إِلَّا مَا بَلَغَنَا مِنْ صُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
اعْلَمْ أَنَّ رَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ ; فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ عَلَى مَا قِيلَ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى عَلِمْتُ ; فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَهُوَأَنْسَبُ لِتَعْرِيفِ حُسْنِ جَرِيرٍ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَيُعْلَمُ مِنْ ذِكْرِ صُورَةِ الْمُفَضَّلِ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ رَجُلٍ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ صُورَتُهُ ; فَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ صُورَةَ رَجُلٍ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ انْتَهَى. وَغَرَابَتُهُ لَا تَخْفَى ; لِأَنَّ ذِكْرَ صُورَةِ الْمُفَضَّلِ هُوَ الْمُوجِبُ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ الْمُصَحِّحِ لِلْحَمْلِ هَذَا.
وَقَدْ ذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ جَرِيرَ يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: مَوْلَى آلِ عُمَرَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ شِقَّةُ قَمَرٍ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ جَمَالَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، وَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ صَفَائِهِ، وَكَثْرَةِ ضِيَائِهِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ صُورَتَهُ كَانَ يَقَعُ نُورُهَا عَلَى الْجِدَارِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَالْمِرْآةِ يَحْكِي مَا قَابَلَهُ مِنْ مُرُورِ الْمَارِّ لَكِنَّ اللَّهَ سَتَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الزَّاهِرِ، وَالْكَمَالِ الْبَاهِرِ إِذْ لَوْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ لَصَعُبَ النَّظَرُ إِلَيْهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ فَقِيلَ شَطْرُ حُسْنِ أَهْلِ زَمَانِهِ أَوْ شَطْرُ حُسْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنَّ حُسْنَ السِّيرَةِ أَفْضَلُ مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ"بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ".
وَقَالَ مِيرَكُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ مُلْحَقَاتِ بَعْضِ النُّسَّاخِ سَهْوًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجْهُهُ أَنَّ طِيبَ الصُّورَةِ يَلْزَمُهُ غَالِبًا طِيبُ رِيحِهَا، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّعَطُّرِ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ بَلِالتَّعَسُّفِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُتَصَرَّفَ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ بِزِيَادَةٍ، وَحُسْنِ صُورَةِ الْأَصْحَابِ، وَعَرْضِهِمْ عَلَى ابْنِ الْخَطَّابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ، وَالْمَآبُ.
هَذَا كَمَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ كَتَبْتُ عَلَيْهِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْإِعْرَابِ بِلَا أَغْرَابٍ بِالْتِمَاسِ بَعْضِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ، وَقَدْ ضُبِطَ الْبَابُ هَذَا مُنَوَّنًا، وَغَيْرُ مُنَوَّنٍ، وَيُحْتَمَلُ تَسْكِينُهُ عَلَى التَّعْدَادِ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ ; فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هَذَا، بِهَذَا مَعْرُوفٌ، وَمَا بَعْدَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَطْعِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، وَكَيْفَ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ إِنْ كَانَتْ كَانَ نَاقِصَةً، وَعَلَى الْحَالِيَّةِ إِنْ كَانَتْ تَامَّةً، وَقُدِّمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِوُجُوبِ تَصْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِضَافَةِ بِقَدْرٍ مُضَافٍ آخَرَ لِيَتِمَّ الْمَعْنَى الْمَأْخُوذُ مِنَ الْمَبْنِيِّ أَيْ هَذَا بَابُ جَوَابِ كَيْفَ كَانَ أَوْ بَيَانِ كَيْفَ كَانَ، وَسَبَبُ التَّقْدِيرِ أَنَّ لَفْظَ بَابٍ لَا يُضَافُ إِلَى الْجُمْلَةِ عَلَى الصَّوَابِ، وَلِذَا قِيلَ إِنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى الْجُمْلَةِ كَلَا إِضَافَةٍ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قَالَ الْحَنَفِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَابُ مُضَافًا إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ بِكَيْفِ، وَالْمَعْنَى بَابُ كَيْفِيَّةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا خَارِجًا عَمَّا نَحْنُ فِيهِ هَذَا وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ