يَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلَ بَيْتِهِ، إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَنَحْنُ بَعْدَهُ فِي سَعَةِ تَنَعُّمٍ، فَلَا أَظُنُّ أَنَّا أَبْقَيْنَا لِلَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَنَا، كَلَّا بَلْ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا مَا صِرْنَا إِلَيْهِ مِنَ السَّعَةِ فَهُوَ مِمَّا يُخْشَى عَاقِبَتُهُ، وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَخَافُونَ أَنَّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ رُبَّمَا عُجِّلَتْ طَيِّبَاتُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، هَذَا وَقَدْ ضُبِطَ فِي الْأَصْلِ: فَلَا أُرَى بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُفْرَدِ وَأَنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ لِعَدَمِ سَبَبِ حَذْفِ لَامِالْفِعْلِ مَعَ لَا النَّافِيَةِ.
أَيْ فِي قَدْرِ عُمُرِهِ وَمِقْدَارِ أَمْرِهِ (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بِالْقَصْرِ، وَيَجُوزُ مَدُّهُ (ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَكَثَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: لَبِثَ (النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ) أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثَةِ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ) أَيْ: سَنَةً (يُوحَى إِلَيْهِ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِهَا،؛ لِأَنَّ مُدَّةَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، وَهِيَ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمُوَافِقُ لِمَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ، وَوَرَدَ عَشْرُ سِنِينَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ فِي سَبْعَةٍ مِنْهَا يَرَى نُورًا وَيَسْمَعُ صَوْتًا وَلَمْ يَرَ مَلَكًا، وَفِي ثَمَانِيَةٍ مِنْهَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَرْوِيَّتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخَالَفَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَثَانِيهِمَا فِي زَمَنِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ مُطْلَقُ الْوَحْيِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَلَكُ مَرْئِيًّا أَوْ لَا، وَالْمُرَادُ: بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكُ مَرْئِيًّا فِيهِ، فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَزِيدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، أَيْ: عَشْرَ سِنِينَ (وَتُوُفِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوَفِّي، أَيْ: وَمَاتَ (وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) أَيْ: سَنَةً، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا أَكْثَرُ فِي الرِّوَايَةِ، وَرَجَّحَ أَحْمَدُ أَيْضًا هَذِهِ الرِّوَايَةَ، قَالَ مِيرَكُ: فِي قَدْرِ عُمُرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، وَالثَّانِيَةُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ، وَالثَّالِثَةُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَهِيَ أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ أَيْضًا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ أَصَحَّهَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ وَتَأَوَّلُوا بَاقِيَ الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا