وَذَمَّنَا شَيْنٌ ; فَلَمْ يَزِدْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ قَالَ: ذَلِكَ اللَّهُ إِذَا مَدَحَ زَانَ وَإِذَا ذَمَّ شَانَ، إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالْفَخْرِ، وَلَكِنْ هَاتُوا فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ أَنْ يُجِيبَ خَطِيبَهُمْ، فَخَطَبَ فَغَلَبَهُمْ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ:
أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْرِفُ النَّاسُ فَضْلَنَا.... إِذَا خَالَفُونَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
وَأَنَّا رُءُوسُ النَّاسِ فِي كُلِّ مَشْعَرٍ.... وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسَّانًا يُجِيبُهُمْ فَقَامَ فَقَالَ:
بَنِي دَارِمٍ لَا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمْ....يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
هَبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمُ.... لَنَا خَوَلٌ مَا بَيْنَ قَنٍّ وَخَادِمِ
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ شَاعِرُهُمْ، وَثَابِتٌ الْمَذْكُورُ خَطِيبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ خَزْرَجِيٌّ شَهِدَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ هَذَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:"إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا"وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي دَاوُدَ عَيْلًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ: ثَقِيلًا وَوَبَالًا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ; فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، فَتَكَلُّفُ الْعَالِمِ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِجَهْلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، فَهُوَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ بَعْضَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ (مِنْ) تَبْغِيضِيَّةٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً أَيْ: قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ أَوْ عَلَى الشِّعْرِ الْمَذْمُومِ، وَكَذَا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا قَالَ: قُرْآنُكَ الشِّعْرُ.
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى) أَيِ: الْفَزَارِيُّ (وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) يَعْنِي وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ (قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا الْمُغَايَرَةُ بِحَسْبِ الْإِسْنَادِ، فَالْأَوَّلُ بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَهَذَا بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ بَدَلَ عَنْ هَاشِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، فَالْإِسْنَادَانِ مُتَّصِلَانِ وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِمَا تَقْوِيَةُ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّمْرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمِيمِ السَّاكِنَةِ كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهُوَ حَدِيثُ اللَّيْلِ مِنَ الْمُسَامَرَةِ، وَهِيَ الْمُحَادَثَةُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى سَامِرًا تَهْجُرُونَ أَيْ: يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ الْقُرْآنِ، وَالطَّعْنِ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِمْ يُعْرِضُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ، الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَجَعْلِهِ الْمَصْدَرَ، وَأَصْلُ السَّمْرِ ضَوْءُ لَوْنِ الْقَمَرِ سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا