لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ كَرَاهَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَقَشَ اسْمَهُ عَلَى خَاتَمِهِ، وَكَذَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مِنْ شَأْنِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ نَقْشُ أَسْمَائِهِمْ فِي خَوَاتِيمِهِمْ، أَقُولُ: وَفِي مَعْنَاهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى مِثْقَالٍ، لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ بَلْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِلَابِسِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ. وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ قَالَ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا. لَكِنْ رَجَّحَ الْآخَرُونَ الْجَوَازَ مِنْهُمُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ عَلَى التَّنْزِيهِ، عَلَى أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ضَعَّفَهُ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ كَرَاهَةَ الْخَاتَمِ الْمُتَّخَذِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَأَى خَاتَمًا مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَجِدُ رِيحَ الْأَصْنَامِ، فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْهِ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ. وَعَنِ الْمُتَوَلِّي لَا يُكْرَهُ وَاخْتَارَهُ فِيهِ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ"اطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ كَانَ خَاتَمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ ضَعِيفٌ، وَاعْتُرِضَ عَلَى تَضْعِيفِهِ بِأَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عِدَّةً إِنْ لَمْ تُرَقِّهِ إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ، لَمْ تَدَعْهُ يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، أَقُولُ: وَيُحْمَلُ حَدِيثُ:"كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ حَدِيدٍ"، وَقَوْلُهُ:"اطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ لَا يُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ، بَلِ الْمُبَالَغَةُ فِي الطَّلَبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ لُبْسُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانَ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا يَتَخَتَّمُ الرَّجُلُ إِلَّا بِالْفِضَّةِ، أَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُتَخَتَّمُ بِالذَّهَبِ، فَلِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ فَلِأَنَّهُ خَاتَمُ أَهْلِ النَّارِ، وَكَذَا الصُّفْرُ.
أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ لُبْسِهِ الْخَاتَمَ، وَالْبَابُ السَّابِقُ قُصِدَ فِيهِ بَيَانُ نَقْشِ الْخَاتَمِ، فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ: لَوْ جَعَلَ كِلَا الْبَابَيْنِ بَابًا وَاحِدًا لَكَانَ أَوْلَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُنَافِي ذِكْرُهُ تَخَتُّمَهُ فِي يَسَارِهِ لِمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ مِيرَكُ: فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يُرَجِّحُ رِوَايَاتِ تَخَتُّمِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَخَتُّمِهِ فِي الْيَسَارِ، فَلِذَا لَمْ يُخَرِّجْ فِي الْبَابِ حَدِيثًا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، بَلْ قَالَ فِي جَامِعِهِ: رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ; وَلِذَا رَجَّحَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فَصُّهُ حَبَشِيٌّ، وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ لَيِّنٍ وَعَنْ أُبَيٍّ