فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 616

وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِهِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ، وَكَرِهَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّامِ الْمُتَقَدِّمِينَ لُبْسَهُ لِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَرَوَوْا فِيهِ آثَارًا وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَلْقَى خَاتَمَهُ أَلْقَى النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ، وَلَوْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، أُجِيبُ بِأَنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنْهُ لُبْسُ خَاتَمِ الذَّهَبِ أَوْ لُبْسُ الْخَاتَمِ الْمَنْقُوشِ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ لُبْسَ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، خِلَافُ الْأَوْلَى; لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّزَيُّنِ، وَالْأَلْيَقُ بِحَالِ الرِّجَالِ خِلَافُهُ أَيْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَتَكُونُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْجَوَازِ هِيَ الصَّارِفَةُ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْخَبَرِ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الزِّينَةِ وَالْخَاتَمِ، وَيُحْمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّلْطَانِ مَنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ عَلَيْهِ لَا السُّلْطَانُ الْأَكْبَرُ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْخَاتَمِ مَا يَخْتِمُ بِهِ فَيَكُونُ لُبْسُهُ عَبَثًا لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخَاتَمَالَّذِي لَا يُخْتَمُ بِهِ وَكَانَ مِنَ الْفِضَّةِ لِلزِّينَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَالُ مَنْ لَبِسَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ صِفَةِ نَقْشِ خَوَاتِيمِ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِصِفَةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ.

أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَبِسَهُ أَنَّهُ مَا بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنِ الزِّينَةِ وَالْخَاتَمِ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْعُمُومُ وَمِعْيَارَهُ الِاسْتِثْنَاءُ السَّابِقُ أَوْ مَا صَحَّ النَّهْيُ عِنْدَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: سَأَلَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: الْبَسِ الْخَاتَمَ وَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنِّي قَدْ أَفْتَيْتُكَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالتَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ نَقْشِ الْخَاتَمِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الْأَخْيَارِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ عَلِيٍّ:"لِلَّهِ الْمُلْكُ"وَنَقْشَ خَاتَمِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ:"الْعِزَّةُ لِلَّهِ"، وَنَقْشَ خَاتَمِ النَّخَعِيِّ:"الثِّقَةُ بِاللَّهِ"، وَنَقْشَ خَاتَمِ مَسْرُوقٍ:"بِسْمِ اللَّهِ"، وَصَحَّ عَنِ الْحَسَنَيْنِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْسَ بِنَقْشِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى الْخَاتَمِ.

أَقُولُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الْمُحْتَرَمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرَاهَتُهُ انْتَهَى. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَكْتُبَ الرَّجُلُ فِي خَاتَمِهِ حَسْبِيَ اللَّهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَمْ تَثْبُتْ عَنْهُ.

أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ وَيَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ تَعَارَضَ فِيهِمَا الدَّلِيلَانِ، وَيُمْكِنُ تَأْخِيرُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ حَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ لِلْجُنُبِ وَنَحْوِهِ أَوِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْكَفِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَالْجَوَازَ حَيْثُ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِذَاتِهَا، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا يَعْرِضُ لِذَلِكَ، وَإِذَا جَازَ نَقْشُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَاتَمِ، فَبِالْأَوْلَى جَوَازُ نَقْشِ اسْمِ الشَّخْصِ وَأَبِيهِ قُلْتُ: هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت