التَّصَرُّفُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ خَاتَمًا، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَانَ يَتَخَتَّمُ بِهِ أَوْ يَخْتِمُ بِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَلَكِنْ شَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَا الْخَاتَمِ وَبَيْنَ الْخَاتَمِ الَّذِي فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةً مَدِيدَةً وَبُرْهَةً عَدِيدَةً، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاتِّخَاذَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَاتَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ فِي خَاتَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْرَارِ، كَمَا كَانَ فِي خَاتَمِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَهُ ذَهَبَ مُلْكُهُ، وَعُثْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَارِجُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْفِتْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِهِ، وَاتَّصَلَتْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ يَسِيرَ الْمَالِ يَجِبُ الْبَحْثُ فِي طَلَبِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي تَفْتِيشِهِ، يَعْنِي دَفْعًا لِإِضَاعَةِ الْمَالِ، قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَمَّا ضَاعَ عِقْدُ عَائِشَةَ وَحَبَسَ الْجَيْشَ حَتَّى وَجَدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَأَمَّا عِقْدُ عَائِشَةَ فَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ بِالْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ، وَهِيَ الرُّخْصَةُ فِي التَّيَمُّمِ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قُلْتُ: هَذَا غَرِيبٌ مِنَ الشَّيْخِ، فَإِنَّ اسْتِدْلَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، حَيْثُ وَقَعَ الْبَحْثُ، وَأَمَّا ظُهُورُ الْأَثَرِ فَأَمْرُ مُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ، نَعَمْ، قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعِقْدَ لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ، لَا سِيَّمَا وَيَتَعَلَّقُ بِقَلْبِ النِّسَاءِ فِي الْحَالِ، وَالْمَآلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهَا، فَيَتَعَيَّنُ الْبَحْثُ وَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الضَّيَاعِ الَّذِي لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَبَيْنَ الْإِضَاعَةِ الْمَنْهِيَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ ضَاعَ شَيْءٌ مِنْ شَخْصٍ وَتَرَكَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِإِنْ جَعَلَهُ صَدَقَةً لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُ عُثْمَانَ فَلَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَصْلًا، لِمَا ذُكِرَ وَلِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ فِي التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ أَثَرَ النَّبِيِّصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي الْعَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ الْمَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاكْتَفَى فِي طَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ الْمُؤْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الْخَاتَمِ، لَكِنِ اقْتَضَتْ عَظَمَةُ قَدْرِهِ ذَلِكَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّمَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ الْمَالِ انْتَهَى. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعَ هَذَا أَنَّ الْخَاتَمَ الْمُخْتَصَّ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ; لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ضَيَاعِهِ مِنْ مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ خُصُوصًا وَقْتَ الْفِتْنَةِ، وَانْظُرْ إِلَى قَضِيَّةِ مَرْوَانَ وَخَتْمِ حُكْمِ عُثْمَانَ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْخَاتَمِ عِنْدَهُ، وَفِي تَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ إِذَا ضَاعَ وَوَقَعَ فِي يَدِ أَهْلِ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ مَالٍ كَثِيرٍ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَنَّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُضَيِّعًا، فَفِيهِ مَا سَبَقَأَنَّ الْأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٌ; وَلِذَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْتَهَدُ فِي الطَّلَبِ عَلَيْهِ كَتَمْرَةٍ وَحَبَّةِ عِنَبِ وَفَلْسٍ وَفَلْسَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ يَوْمًا وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ إِلَى جُمُعَةٍ، وَإِلَى شَهْرٍ وَإِلَى سَنَةٍ، وَإِلَى آخِرِ الْعُمْرِ كُلِّهِ فَلَا يَصِحُّ تَعْيِينُ حَدٍّ لَا فِي طَلَبِالْمَالِ الْيَسِيرِ، وَلَا فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ.
وَالتَّنْبِيهُ الثَّانِي: رَوَى أَحْمَدُ