بِهِ التَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَلُبْسُ مَلَابِسِهِمْ وَالتَّيَمُّنُ بِهَا، وَجَوَازُ لُبْسِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَرِّثْ إِذْ لَوْ وَرَّثَ لَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِلَى وَرَثَتِهِ، بَلْ كَانَ الْخَاتَمُ وَالْقَدَحُ وَالسِّلَاحُ وَنَحْوِهَا مِنْ آثَارِهِ الصُّورِيَّةِ صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ، يَصْرِفُهَا مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ حَيْثُ رَأَى الْمَصَالِحَ، فَجَعَلَ الْقَدَحَ عِنْدَ أَنَسٍ إِكْرَامًا لَهُ بِخِدْمَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَجَعَلَ بَاقِيَ الْأَثَاثِ عِنْدَ نَاسٍ مَعْرُوفِينَ، وَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ عِنْدَهُ لِلْحَاجَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ اتُّخِذَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فَانْتَقَلَ لِلْإِمَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِيمَا صُنِعَ لَهُ.
قُلْتُ: الْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ (قَالَ مِيرَكُ: تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِجْمَالًا حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا أَنَّ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِ مَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ؟ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتِّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ الْبَاقِيَةِ، كُنَّا مَعَهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ مِنْ يَدِهِ وَإِدْخَالَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى شَفَتِهَا يَعْبَثُ بِهِ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ: نِسْبَةُ السُّقُوطِ إِلَى أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ، وَإِلَى الْآخَرِ مَجَازِيَّةٌ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ إِلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فَخَتَمَ بِهِ شَيْئًا، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَتَفَكَّرُ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ، أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَسَقَطَ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ، قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ عَمَلِهِ، فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ أَعْمَالُهُ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى قَلِيبٍ لِعُثْمَانَ فَسَقَطَ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ. انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ عُثْمَانَ لَمَّا أَرَادَ أَخْذَهُ مِنْ مُعَيْقِيبٍ أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ سَقَطَ مِنْ بَيْنِهِمَا، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي إِعْطَاءِ شَخْصٍ شَيْئًا إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَيَسْقُطُ مِنْبَيْنِهِمَا أَحْيَانًا اعْتِمَادًا لِلْمُعْطِي أَنْ أَخَذَهُ الْآخِذُ، وَظَنًّا مِنَ الْآخِذِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَاقِيًا بَعْدُ، فَلَمْ يَدْرِ الرَّاوِي تَحْقِيقًا أَنَّهُ مِنْ يَدِ أَيِّهِمَا سَقَطَ، فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى عُثْمَانَ، وَتَارَةً إِلَى مُعَيْقِيبٍ، بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، هَذَا غَايَةُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّرْجِيحِ، فَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ رِوَايَةُ مَنْ نَسَبَ السُّقُوطَ إِلَى عُثْمَانَ; لِأَنَّهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى تَحْقِيقِ حِكَايَةِ الْوَاقِعَةِ أَيْضًا، وَرِوَايَةُ نِسْبَةِ السُّقُوطِ إِلَى مُعَيْقِيبٍ هِيَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: وَمِنْ حَيْثُ الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ يُرَجِّحُ رِوَايَةُ النِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَانَ أَيْضًا; لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْقَرِيبُ فِي السُّقُوطِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ لَهُ