الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ إِلَى آخِرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ، وَكَانَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْخَاتَمِ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ، أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَهُوَ ذُو الْيَدِ أَيْ عِنْدَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَأْبَى عَنْهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (حَتَّى وَقَعَ) أَيْ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِعُثْمَانَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبِئْرُ بِالْهَمْزَةِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ عِنْدَ الْمَدِينَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ بُسْتَانٌ مَعْرُوفٌ يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ، وَفِي بِئْرِهَا سَقَطَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ يَدِ عُثْمَانَ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِطْلَاقَ بِئْرِ أَرِيسَ عَلَى الْبُسْتَانِ بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ: وَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقَعَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) انْتَهَى. مَعَ أَنَّ لَهُ وَجْهًا آخَرَ مِنْ صَنِيعِ الْبَدِيعِيِّ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ ثُمَّ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ، وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ مُعَيْقِيبٍ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَلَا تَنَافِيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ اسْتَقْبَلَهُ بِأَخْذِهِ، فَسَقَطَ فَنُسِبَ سُقُوطُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ لِيَخْتِمَ بِهِ شَيْئًا فَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، وَأَمَّا مَا أَجَابَهُ الْعِصَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَلَا يَلْتَئِمُ بِهِ النِّظَامُ، ثُمَّ فِي النَّسَائِيُّ مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْوَاقِعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ نِسْبَةِ الْعَبَثِ بِهِ، حَيْثُ كَانَ سَبَبُ الْعَبَثِ بِهِ التَّفَكُّرَ الْبَاعِثَ عَلَى التَّحَيُّرِ فِي الْأَمْرِ، وَالِاضْطِرَابِ فِي الْفِعْلِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الشِّيعَةِ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْعَبَثِ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ وَإِدْخَالَهُ، وَلَعَلَّهُ كَانَ إِشَارَةً إِلَى تَغَيُّرِ حَالِهِ وَاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي إِبْقَاءِ نَصْبِهِ، وَإِفْشَاءِ عَزْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَبَثًا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ نَشَأَ عَنْ فِكْرٍ وَفِكْرَةُ مِثْلِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيْرَةِ، (نَقْشُهُ) أَيْ نَقْشُ ذَلِكَ الْخَاتَمِ أَوْ نَقْشُ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالْجُمْلَةُ بِتَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ لِلرَّبْطِ قَالَ الْعِصَامُ: فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ خَاتَمٍ مَنْقُوشٍ بِاسْمٍ آخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ; لِأَنَّهُ لَا الْتِبَاسَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَامَةَ التَّوْثِيقِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الِالْتِبَاسَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِالتَّارِيخِ، قَالَ: وَاسْتِعْمَالُ ثُمَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الِانْتِقَالُ بِلَا مُهْلَةٍ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْفِعْلِ الثَّانِي مُتَرَاخٍ عَنْ آخِرِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْفَاءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَرَاخِي أَوَّلِهِ عَنْ آخِرِ الْأَوَّلِ، فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْكَ، فَإِنَّهُ دَاءُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوَاءِ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْفَرَّاءِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُهْلَةِ فِي ثُمَّ أَوِ الْمُرَادُ