تَعْظِيمًا لَهُ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَر فِي قَوْلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّفْلِيَةَ مِنْ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ (وَيَحْلُبُ شَاتَهُ) بِضَمِّ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَفُسِّرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَيْضًا (كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَيَرْفَعُ دَلْوَهُ، وَقَالَ شَارِحُ قَوْلِهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا رَأَتْ مِنِ اعْتِقَادِ الْكُفَّارِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ غَيْرُهُ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ وَجَعَلُوهُ كَالْمُلُوكِ فَإِنَّهُمْ يَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ الدَّنِيَّةِ تَكَبُّرًا كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ فَقَالَتْ: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَكَرَّمَهُ بِالرِّسَالَةِ وَكَانَ يَعِيشُ مَعَ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ وَمَعَ الْحَقِّ بِالصِّدْقِ؛ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا وَيُعِينُهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ تَوَاضُعًا وَإِرْشَادًا لَهُمْ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَرَفَعَ التَّرَفُّعَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
فِي النِّهَايَةِ الْخُلُقُ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ، وَبِضَمَّتَيْنِ: السَّجِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ وَالْمُرُوءَةُ وَالدِّينُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ، وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِهَذَا تَكَرَّرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ انْتَهَى، وَعَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ حُسْنُ الْخُلُقِ تَحْصِيلُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَغْضَبُ بِغَضَبِهِ وَيَرْضَى بِرِضَاهُ.
وَتَفْصِيلُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَّصِفُ بِكُلِّ صِفَةٍ حَمِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِيهِ وَيَجْتَنِبُ عَنْ كُلِّ خَصْلَةٍ ذَمِيمَةٍمَسْطُورَةٍ فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي وَصْفِ الْقُرَّاءِ: أُولُو الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى حُلَاهُمْ بِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ مُفَصَّلًا عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافَسًا وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلَى وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمَا فِيهِ مِنْ جَانِبِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ الْإِخْلَاصِ الْمَقْرُونِ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كَمَالَ حُسْنِ الْخُلُقِ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ عَلَى قَدْرِ سَعَةِ الْقَلْبِ وَشَرْحِ الصَّدْرِ وَمِنْ ثَمَّةَ وَرَدَ أَنَّ قَلْبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْسَعُ قَلْبٍ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى قَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ وَلَدَيْهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ حُسْنُ الْخُلُقِ غَرِيزِيَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ مُكْتَسَبَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ فَقِيلَ بِالْأَوَّلِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَّمَ أَرْزَاقَكُمْ.
، وَقِيلَ: بَعْضُهُ مُكْتَسَبٌ لِمَا صَحَّ فِي خَبَرِ الْأَشَجِّ (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَوْ حَدِيثًا، قَالَ: قَدِيمًا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا