فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 616

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَتَرْدِيدُ السُّؤَالِ عَلَيْهِ وَتَقْرِيرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ جِبِلِّيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ جِبِلَّةٌ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ فَمَنْ غَلَبَهُ حُسْنُهُ فَهُوَ الْمَحْمُودُ وَإِلَّا أُمِرَ بِالْمُجَاهَدَةِ حَتَّى يَصِيرَ حَسَنًا وَبِالرِّيَاضَةِ حَتَّى يَزِيدَ حُسْنُهُ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا جِبِلِّيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِوَالنُّقْصَانِ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ بِالرِّيَاضَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَاتُ النَّبَوِيَّةُ وَالْإِشَارَاتُ الصُّوفِيَّةُ.

مِنْهَا حَدِيثُ (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ (مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) .

وَمِنْهَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) .

وَمِنْهَا مَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي.

فَالْمُرَادُ: زِيَادَةُ تَحْسِينِ الْخُلُقِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ عَلَى طِبْقِ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

وَمِنْهَا حَدِيثُ (حُسْنُ الْخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ) رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ.

وَمِنْهَا (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا) .

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْخُلُقِ هُوَ حَسْنُ الْخُلُقِ، وَهُوَ التَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ الصَّمَدَانِيَّةِ مَا عَدَا اسْمَ الْجَلَالَةِ، فَإِنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ لَا لِلتَّخَلُّقِ، قَالَ الْعَارِفُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) : رَمْزٌ غَامِضٌ وَإِيمَاءٌ خَفِيٌّ إِلَى الْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ فَاحْتَشَمَتِ الْحَضْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَقُولَ: كَانَ مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَبَّرَتْ عَنْ هَذَا بِأَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ اسْتِحْيَاءً مِنْ سَبَحَاتِ الْجَلَالِ وَسَتْرًا لِلْجَمَالِ بِلَطِيفِ الْمَقَالِ لِوُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ أَدَبِهَا وَفَضْلِهَا انْتَهَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَوْصَافَ خُلُقِهِ الْعَظِيمِ لَا تَتَنَاهَى كَمَا أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ لَا تَتَقَاضَى، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الِاتِّسَاعِ وَنِهَايَةٌ فِي الِابْتِدَاعِ لَا يُهْتَدَى لِانْتِهَائِهَا بَلْ كُلُّ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ انْتِهَاؤُهَا فَهُوَ مِنِ ابْتِدَائِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ وَسِعَتْ أَخْلَاقُهُ أَخْلَاقَ أَفْرَادِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ بَلْ أَنْوَاعَ أَجْنَاسِ مَخْلُوقَاتِ الْعَالَمِ، وَلِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ بَلْ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (بُعِثْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً) .

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْرَاءِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ (حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ دَخَلَ نَفَرٌ) يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت