فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 616

أَنَّ الْإِثَابَةَ هِيَ الْمُجَازَاةُ فِي الْخَيْرِ أَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَشَارَ بِهَذَا أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: رِوَايَةُ وَكِيعٍ وَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ"وَيُثِيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا"وَرِوَايَةُ مُحَاضِرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ التَّأَسِّي بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ لَكِنَّ مَحَلَّ نَدْبِ الْقَبُولِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، وَنَدْبِ الْإِثَابَةِ حَيْثُ لَمْ يَظُنَّ الْمُهْدَى إِلَيْهِ أَنَّ الْمُهْدِي إِنَّمَا أَهْدَى إِلَيْهِ لِغَيْرِ حَيَاءٍ لَا فِي مُقَابِلِ شَيْءٍ، أَمَّا إِذَا ظَنَّالْبَاعِثَ عَلَى الْإِهْدَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْحَيَاءُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: كَمَنْ يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ وَيُفَرِّقُ هَدَايَاهُ خَوْفًا مِنَ الْعَارِ فَلَا يَجُوزُ الْقَبُولُ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَالْكُرْهُ فِي الْبَاطِنِ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا إِذَا ظَنَّ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِثَابَةُ فَلَا يَجُوزُ الْقَبُولُ إِلَّا إِنْ أَثَابَهُ بِقَدْرِ مَا فِي ظَنِّهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَرَائِنُ حَالِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَسْتَهْتِرُونَ فِيهِ فَيَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ قُلْتُ الْبَحْثُ لَا يَجِبُ فَإِنَّكَ إِذَا فَتَّشْتَ عَنْ ضِيَافَاتِ الْعَامَّةِ وَهَدَايَاهُمْ وَعَطَايَاهُمْ رَأَيْتَ كُلَّهَا مُلَطَّخَةً بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ أَوْ نَاشِئَةً عَنِ الْحَيَاءِ نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ الْإِهْدَاءِ لَيْسَ إِلَّا الْحَيَاءَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ لَكِنْ يُثِيبُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ خَاطِرَهُ يَطِيبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مُكْرَهًا فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ رَاضِيًا فَيَنْقَلِبُ الْحَرَامُ حَلَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَمَا صَوَّرْنَاهُ تِجَارَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ تَرَاضٍ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا عَدَّ عُلَمَاؤُنَا الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْإِثَابَةِ بَيْعًا وَلَوْ كَانَ عَطَاؤُهُ حَيَاءً لَمْ يَحْصُلْ لَهُ جَزَاءٌ، ثُمَّ طَابَ خَاطِرُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى بَرَاءَةٌ وَإِحْلَالٌ لَهُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِثَابَةَ بِقَدْرِ الْهِبَةِ وَاجِبَةٌ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، فَمَحَلُّ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقَبُولِ إِذَا لَمْيُجَازِهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْعُودُ فِي الْهِبَةِ مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَطَبْعًا، وَيَجُوزُ عِنْدَ فُقَهَائِنَا بِشُرُوطٍ لَيْسَ هَذَا مَقَامُ ذِكْرِهَا

الْحَيَاءُ هُنَا بِالْمَدِّ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَطَرِ، وَكِلَاهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَيَاةِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا حَيَاةُ الْأَرْضِ، وَالْآخَرُ حَيَاةُ الْقَلْبِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ، وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذَوِي الْحَقِّ.

ثُمَّ الْحَيَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ فَإِفْرَادُهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ مِلَاكُ الْأَمْرِ كُلِّهِفِي حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْحَقِّ وَمُعَاشَرَةِ الْخَلْقِ (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت