(مَنَعَتْنِي) وَفِي نُسْخَةٍ مَنَعَنِي (وَطْأَتُهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَهَمْزٍ أَيْ: لِينَتُهُ (صَلَاتِي اللَّيْلَةَ) أَيِ: التَّهَجُّدُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّالنَّوْمَ عَلَى الْفِرَاشِ الْمَحْشُوِّ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ عَيْنَ الْأَدَمِ، وَاللِّيفِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَتْ شَرْطًا بَلْ ; لِأَنَّهَا الْمَأْلُوفَةُ عِنْدَهُمْ فَلَحِقَ بِهَا كُلُّ مَأْلُوفٍ عِنْدَهُمْ نَعَمِ الْأَوْلَى لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ، وَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى الدَّعَةِ، وَالتَّرَفَةِ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي حَشْوِ الْفِرَاشِ، وَلِينِهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي كَثْرَةِ النَّوْمِ، وَالْغَفْلَةِ وَالتَّثَاقُلِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِلْمَرْأَةِ وَفِرَاشٌ لِلضَّيْفِ، وَفَرَّاشٌ لِلشَّيْطَانِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا أَضَافَهُ لِلشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ يُضَافُ إِلَيْهِ كُلُّ مَذْمُومٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، فَهُوَ مَشْئُومٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّخَذُ لِلْخُيَلَاءِ وَالْمُبَاهَاتِ، وَقِيلَ أُضِيفَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ مَبِيتُهُ، وَمَقِيلُهُ ثُمَّتَعْدَادُ الْفِرَاشِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لَا يُنَافِي أَنَّ السُّنَّةَ بَيَاتُهُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ يَحْتَاجَانِ إِلَى ذَلِكَبِمَرَضٍ، وَنَحْوِهِ.
التَّوَاضُعُ هُوَ التَّذَلُّلُ، وَيُقَالُ وَضُعَ الرَّجُلُ يُوضَعُ صَارَ وَضِيعًا وَوَضَعَ مِنْهُ فُلَانٌ أَيْ: حَطَّ مِنْ دَرَجَتِهِ وَضَعْضَعَهُ الدَّهْرُ فَتَضَعْضَعَ أَيْ: خَضَعَ وَذَلَّ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: التَّوَاضُعُ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الضِّعَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْهَوَانُ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّوَاضُعِ إِظْهَارُ النُّزُلُعَنِ الْمَرْتَبَةِ يُرَادُ تَعْظِيمُهُ، وَقِيلَ هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَهُ لِفَضْلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَبْلُغُ حَقِيقَةَ التَّوَاضُعِ وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّخَشُّعُ إِلَّا إِذَا دَامَ تَجَلِّي نُورِ الشُّهُودِ فِي قَلْبِهِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُذِيبُ النَّفْسَ، وَيَصِفُهَا عَنْ غِشِّ الْكِبْرِ وَالْعَجَبِ فَتَلِينُ، وَتَطْمَئِنُّ لِلْحَقِّ وَالْخُلُقِ بِمَحْوِ آثَارِهَا وَسُكُونِ وَهَجِهَا، وَنِسْيَانِ حَقِّهَا، وَالذُّهُولِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى قَدْرِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ مِنْ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا، وَحَسْبُكَ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلَكَا أَوْ يَكُونُ عَبْدًا نَبِيًّا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، وَمَنْ مِثْلُهُ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا بَعْدُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَقَالَ: أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ خَادِمُهُ أَنَسٌ أُفٍّ قَطُّ، وَمَا ضَرَبَ أَحَدًا مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الطَّوْرُ الْبَشَرِيُّ لَوْلَا التَّأْيِيدُ الْإِلَهِيُّ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ كَيْفَ كَانَ إِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: أَلْيَنُ النَّاسِ بَسَّامًا ضَحَّاكًا لَمْ يُرَ قَطُّ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَعَنْهَا مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْهُ مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا قَالَ: لَبَّيْكَ، وَكَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ صَحِبَهُ رَاكِبًا حِمَارَ أَبِيهِ فَقَالَ: لَهُ ارْكَبْ فَأَبَى فَقَالَ لَهُ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْكَبْ أَمَامِي فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا، وَفِي مُخْتَصَرِ السِّيرَةِ لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ حِمَارًا عُرْيًا إِلَى قُبَاءٍ، وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَحْمِلُكَ فَقَالَ: مَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ارْكَبْ فَوَثَبَ لِيَرْكَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ فَاسْتَمْسَكَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَعَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكِبَ، وَقَالَ: لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَفَعَلَ فَوَقَعَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكِبَ، وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَا وَالَّذِي