فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 616

عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ جُوَيْرِيَةُ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (فَاتَّخَذَ النَّاسُ) أَيِ الذُّكُورُ مِنْهُمْ أَوِ الْكُلُّ، ثُمَّ نُسِخَ وَأُبِيحَ لِلنِّسَاءِ (خَوَاتِيمَمِنْ ذَهَبٍ فَطَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ لِلْوَحْيِ بِتَحْرِيمِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ تَعْقِيبِيَّةٌ، وَجَعَلَهَا الْعِصَامُ تَفْرِيعِيَّةً، حَيْثُ قَالَ: تَفْرِيعٌ لِلطَّرْحِ عَلَى اتِّخَاذِ النَّاسِ دُونَ لُبْسِهِمْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا صَارَ مَنْهِيًّا هُوَ اتِّخَاذُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ اللُّبْسِ، حَيْثُ كُرِهَ اتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّاسَ اتَّخَذُوهَا لِلُّبْسِ أَوِ اتَّخَذُوهَا وَلَبِسُوهَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّرْحَ قَبْلَ لُبْسِهِمْ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الذَّهَبِ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ إِجْمَاعًا، وَقَدْ طَرَحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ لُبْسُهُ، وَأَمَّا جَعْلُ نَفْيِ اللُّبْسِ كِنَايَةً عَنْ كَرَاهِيَةِ الِاتِّخَاذِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كَرَاهَةُ اللُّبْسِ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) أَيْ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَالْخَوَاتِيمُ جَمْعُ خَاتَمٍ كَالْخَوَاتِمِ وَالْيَاءُ فِيهَا لِلْإِشْبَاعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ النَّاسِخُ لِحِلِّهِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أَخَذَ ذَهَبًا فِي يَدٍ وَحَرِيرًا فِي يَدٍ، وَقَالَ: هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ مَنْ لَا إِلْمَامَ لَهُ بِالْفِقْهِ هُنَا تَخْلِيطٌ فَاجْتَنِبْهُ، كَيْفَ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مَاتُوا وَخَوَاتِيمُهُمْ مِنْ ذَهَبٍ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ صَحَّ عَنْهُمْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ عَنْهُ انْتَهَى. قَالَ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ: تَبَدَّلَ الْحُكْمُ فِيهِمَا اتِّخَاذُ خَاتَمِ الذَّهَبِ، تَبَدَّلَ جَوَازُهُ بِالِامْتِنَاعِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَاللُّبْسِ فِي الْيَمِينِ تَبَدَّلَ بِاللُّبْسِ فِي الْيَسَارِ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُنَافِي مَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ، وَلَبِسُوهَا فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، مَعَ جَوَازِ لُبْسِهِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَجْهَهُ هُوَ أَنْ لَا يَلْبَسَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَآهُمُ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، فَرَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ فَرَمَى بِهِ فَلَا يُدْرَى مَا فَعَلَ، قَالَ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ، وَصَادَفَ وَقْتَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَلْقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا بَأْسَ، بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ عَلَى الْخَاتَمِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ لُبْسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، لَا تَحْرِيمٍ، فَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ النَّاسَ مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لَيْسَ بِسَدِيدٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالنَّاسِ الْجُمْهُورَ، أَوْ يُقَالَ: انْقَرَضَ قَرْنُ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت