وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ طَلْحَةَ جَلَسَ تَحْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الْجَبَلَ قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ حَذْفِ الزُّبَيْرِ، يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ كَذِبًا مَحْضًا; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَحْضُرْ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَوَاقِعَةُ أُحُدٍ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَيُحْمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَذْفِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَحَذَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَيَصِيرُ الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ الْكَذِبُ الْمَحْظُورُ، وَلَا التَّدْلِيسُ الْمَحْذُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَالَ) أَيِ الزُّبَيْرُ أَوِ ابْنُهُ نَقْلًا عَنْهُ (كَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ) قَالَ مِيرَكُ: هُمَا ذَاتُ الْفُضُولِ وَالْفِضَّةُ، كَمَا رَوَاهُ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ (فَنَهَضَ) كَمَنَعَ أَيْ قَامَ، وَنَهَضَ النَّبْتُ أَيِ: اسْتَوَى عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ فَأَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ (إِلَى الصَّخْرَةِ) أَيْ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا لِيَسْتَعْلِيَهَا فَيَرَاهُ النَّاسُ فَيَعْلَمُونَ حَيَاتَهُ، وَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أَيِ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الصَّخْرَةِ لِثِقَلِ دِرْعَيْهِ، أَوْ لِضَعْفٍ طَرَأَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ; لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ آلَامُ ضُرُوبٍ وَصَلَتْ إِلَيْهِ، وَكَثْرَةُ دَمٍ سَائِلٍ مِنْ رَأَسِهِ وَجَبْهَتِهِ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ حَجَرٍ رُمِيَ بِهِ، حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ الْقَتْلَى (فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ) أَيْ أَجْلَسَهُ (تَحْتَهُ فَصَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ بِإِمْدَادِهِ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَوَى) أَيْ تَمَكَّنَ وَاسْتَقَرَّ (عَلَى الصَّخْرَةِ) وَهِيَ حَجَرٌ عَظِيمٌ يَكُونُ غَالِبًا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَسَمِعْتُ) بِالْفَاءِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَعَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ مِيرَكُ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَجَعَلَ الْعِصَامُ أَصْلَهُ سَمِعْتُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ فَسَمِعْتُ (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيَقُولُ أَوْجَبَ طَلْحَةُ) أَيْ لِنَفْسِهِ الْجَنَّةَ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوِ الْمَثُوبَةَ الْعَظِيمَةَ بِفِعْلِهِ هَذَا، أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ جَعَلَ نَفْسَهُ فِدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ وَجُرِحَ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ) أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ أَوْقَعَ الْمُظَاهَرَةَ