يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، لَا سِيَّمَا فِي بَلَدِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَهُوَ التَّعْطِيلُ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ، وَالْإِشْرَاكُ ثَبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ عِصْيَانُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، وَجَمَعَهُمَا لِأَنَّ عُقُوقَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ عُقُوقَ الْآخَرِ غَالِبًا، وَيَجُرُّ إِلَيْهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ عُقُوقُ كُلٍّ مِنَ الْوَالِدَيْنِ، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ، ثُمَّ الْعُقُوقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُخَالَفَةُ مَنْ حَقُّهُ وَاجِبٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَقِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْمُرَادُ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، قَالَ تَعَالَى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا إِلَّا فِي شِرْكٍ وَمَعْصِيَةٍ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا فَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحَاتِ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَاسْتِحْبَابِهِمَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ تَقْدِيمُهُمَا عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْأَمْرَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ: ضَابِطُهُ أَنْ يَعْصِيَهُ فِي جَائِزٍ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِمَرْضِيٍّ، وَالَّذِي آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ أَئِمَّتِنَا أَنَّ ضَابِطَهُ أَنْ يَفْعَلَمِنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ فِي الْعُرْفِ.
قُلْتُ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْعُقُوقَ مُخَالَفَةٌ تُوجِبُ الْغَضَبَ، وَأَمَّا مَا دُونَهُ فَمِنَ الصَّغَائِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، لَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ الرِّضَا وَالسُّخْطِ حَالًا مُتَوَسِّطًا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ.
قِيلَ: الْقَتْلُ وَالزِّنَا أَكْبَرُ مِنَ الْعُقُوقِ بَلْ قِيلَ لَا خِلَافَ أَنَّ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ قَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلِمَ حُذِفَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ أَحَادِيثٍ أُخَرَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُرَاعِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَحْوَالَ الْحَاضِرِينَ، كَقَوْلِهِ مَرَّةً: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَأُخْرَى أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْجِهَادُ، وَأُخْرَى أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ إِثْمِ شَهَادَةِ الزُّورِ (وَكَانَ مُتَّكِئًا) أَيْ قَبْلَ الْجِلْسَةِ وَالْجُمْلَةِ، حَالٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ، وَعِظَمِ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلُ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنَ بِهِمَا أَكْثَرُ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعَ السَّلِيمَ، وَالْعَقْلَ الْقَوِيمَ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ وَالْبَوَاعِثُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَتِهِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى الشَّاهِدِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا، وَقِيلَ: خَصَّ شَهَادَةَ الزُّورِ بِذَلِكَ; لِأَنَّهَا تَشْمَلُ الْكَافِرَ إِذْ هُوَ شَاهِدُ زُورٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِي الْمُسْتَحِلِّ وَهُوَ كَافِرٌ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزِّنَا وَالْقَتْلُ وَغَيْرُهُمَا، فَكَانَتْ أَبْلَغَ ضَرَرًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِجُلُوسِهِ وَتَكْرِيرِهِ ذَلِكَ فِيهَا،