إِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ، أَوْ تَحْلِيلِ حَرَامٍ، أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرُ فَسَادًا بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الْجُمْلَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: شَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَالضَّمِيرُ فِي يَقُولُهَا هُنَا لِقَوْلِهِ: أَلَا وَمَا بَعْدَهَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ تَمَنِّينَا أَنَّهُ سَكَتَ إِشْفَاقًا عَلَيْهِ، وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ كَيْلَا يَتَأَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُوجِبُ نُزُولَ الْعَذَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ، وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْوَاعِظَ وَالْمُفِيدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى التَّكْرَارَ وَالْمُبَالَغَةَ، وَإِتْعَابَ النَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ، حَتَّى يَرْحَمَهُ السَّامِعُونَ وَالْمُسْتَفِيدُونَ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا) بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ لِتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَ، وَقَدْ تَرِدُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا هُنَا (إِنَّا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَصَّصَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِذَلِكَ; لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ كَرَاهَتَهُ لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ عَلَى مَا زَعَمَهُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَالْأَصَحُّ كَرَاهَتُهُ لَهُمْ أَيْضًا، فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَضِيَّةَ كَمَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمُ الِاتِّكَاءِ فِي الْأَكْلِ، إِذْ مَقَامُهُ الشَّرِيفُ يَأْبَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَامْتَازَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِ تَعْرِيضُ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَعْجَامِ، بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَنِي قَالَ تَعَالَى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى امْتِنَاعِهِ، إِنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ لَا الْجَلِيِّ (فَلَا آكُلُ) بِالْمَدِّ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ (مُتَّكِئًا) بِالْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ، وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِكَاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الْكِيسُ وَنَحْوُهُ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ أَيْ لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى وَطَاءٍ تَحْتِي; لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ الطَّعَامَ، وَإِنَّمَا أَكْلِي بُلْغَةٌ مِنْهُ، فَيَكُونُ قُعُودِي لَهُ مُسْتَوْفِرًا