فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 616

بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ مُجَالِدٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْكُوفِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ: أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ، وَلَا حَدَّثْتُ بِحَدِيثٍ إِلَّا حَفِظْتُهُ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ ثَنْتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، كَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، لِمُؤَلِّفِ الْمِشْكَاةِ (عَنْ مَسْرُوقٍ) يُقَالُ: أَنَّهُ سُرِقَ صَغِيرًا، ثُمَّ وُجِدَ، فَسُمِّيَ مَسْرُوقًا، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، شَهِدَ فِي حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَةٍ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ) أَيْ أَمَرَتْ خَادِمَهَا أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَيَّ، قَالَ مِيرَكُ: أَيْ أَضَافَتْنِي (وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ مِمَّا حَضَرَ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ (مَرَّتَيْنِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُدَّعَى (فَأَشَاءُ) أَيْ أُرِيدُ (أَنْ أَبْكِيَ) بِأَنْ لَا أَدْفَعَ الْبُكَاءَ عَنْ نَفْسِي (إِلَّا بَكَيْتُ) أَيْ تَحَزُّنًا لِتِلْكَ الشِّدَّةِ الَّتِي قَاسَتْهَا الْحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ، أَوْ تَأَسُّفًا عَلَى فَوْتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ الْعَلِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ.

قِيلَ: عَبَّرَتْ بِأَبْكِي لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ; لِأَنَّ أَبْكِي مَعْمُولٌ لِأَشَاءُ الْمُسْتَقْبَلُ فَلَزِمَكَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا، بِخِلَافِ بَكَيْتُ بَعْدَ إِلَّا; لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا وُجِدَ، وَقِيلَ: الْفَاءُ فِي"فَأَشَاءُ"لِلتَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ; لِأَنِّي أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ فَالْعِلَّةُ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْمَعْلُولِ، لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا; وَلِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ بِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ; لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهَا أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهُ مَا يَحْصُلُ لِي مِنْ شِبَعٍ، وَلَا تَسَبَّبَ عَنْهُ مَشِيئَتِي لِلْبُكَاءِ إِلَّا يُوجَدُ مِنِّي فَوْرًا، مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَقِيلَ: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ لَازِمٌ لِلشِّبَعِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْمَشِيئَةُ، وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ لَازِمَةً لِلشِّبَعِ، وَلِذَا قَالَتْ: فَأَشَاءُ وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى:"مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ" (قَالَ) أَيْ: مَسْرُوقٌ (قُلْتُ: لِمَ) أَيْ لِمَ تَشَائِينَ أَنْ تَبْكِي، وَفِي التَّحْقِيقِ لِمَ تَتَسَبَّبُ عَنِ الشِّبَعِ تِلْكَ الْمَشِيئَةُ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا وُجُودُ الْبُكَاءِ فَوْرًا؟ (قَالَتْ: أَذْكُرُ) أَيْ أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ لِأَنِّي أَذْكُرُ (الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّنْيَا) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْنَا، وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ، قَالَ مِيرَكْ شَاهْ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَيْ فَارَقَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَنْسَبُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْجِيهٍ وَتَكَلُّفٍ وَتَقْدِيرٍ، انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَوِ التَّقْدِيرُ مُتَعَدِّيًا، وَمَا رَأَى عَلَيْنَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كُلَّمَا شَبِعْتُ بَكَيْتُ، لِتَذَكُّرِ الْحَالِ الَّتِي فَارَقَتْ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَّنَتْ تِلْكَ الْحَالَةَ بِقَوْلِهَا: (وَاللَّهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ) تَنْوِينُهُمَا لِلتَّنْكِيرِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ، وَلَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَإِذَا لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُمَا فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْبَعَ مِنْغَيْرِهِمَا، مِنَ الْأَعْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) أَيْ مِنْ أَيَّامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت