فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 616

وَأَرْعَاهُ عَلَى بَعْلٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا مَا فَضَّلْتُ عَلَيْهَا أَحَدًا"، ثُمَّ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ."

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَخَدِيجَةُ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.

وَفِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا الْوَقْفُ، قُلْتُ: وَقَدْ صَحَّحَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ قَالَتْ: قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ.

وَسُئِلَ ابْنُ دَاوُدَ، فَقَالَ: عَائِشَةُ أَقْرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ مِنْ جِبْرِيلَ وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ: فَأَيٌّ أَفْضَلُ فَاطِمَةُ أَمْ أُمُّهَا؟ قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا نَعْدِلُ بِهَا أَحَدًا.

وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنُدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أَفْضَلُ، ثُمَّ أُمَّهَا خَدِيجَةَ، ثُمَّ عَائِشَةَ، وَعَنِ ابْنِ الْعِمَادِ، أَنَّ خَدِيجَةَ إِنَّمَا فُضِّلَتْ عَلَى فَاطِمَةَ بِاعْتِبَارِ الْأُمُومَةِ، لَا السِّيَادَةِ، انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيْثِيَّاتِ مُخْتَلِفَةٌ، وَالرِّوَايَاتِ مُتَعَارِضَةٌ، وَالْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ، وَالتَّوَقُّفَ لَا ضَرَرَ فِيهِ قَطْعًا، فَالتَّسْلِيمَ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) قِيلَ: اسْمُهُ ذَكْوَانُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ أَبْصَرَهُ (تَوَضَّأَ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ مُثَلَّثَةٌ، وَيُحَرَّكُ وَكَكَتِفٍ وَرَجُلٍ وَإِبِلٍ، شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْمَخِيضِ الْغَنَمِيِّ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَكْلِ قِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْأَقِطِ، فَفِي الْقَامُوسِ الثَّوْرُ الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ الْأَقِطِ، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ أَوْ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ (ثُمَّ رَآهُ أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) أَيِ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ وَظَاهِرُ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ، قَدْ نُسِخَ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآخِرَةٍ مِنْأَكْلِهِ كَتِفَ الشَّاةِ، وَعَدَمَ تَوَضُّئِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ثُمَّ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّرَاخِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ: الثَّوْرُ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَقِطِ، فَعَلَى هَذَا الْإِضَافَةُ فِي ثَوْرِ أَقِطٍ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، أَوِ الْبَيَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الثَّوْرُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: الْقِطْعَةُ، وَثَوْرُ أَقِطٍ: قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَهُوَ لَبَنٌ جَامِدٌ مُسْتَحْجِرٌ بِالطَّبْخِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ، يُرِيدُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا، انْتَهَى.

وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا أَوْ أَرَادَ غَسْلَ فَمِهِ، وَكِلَاهُمَا لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، نَعَمْ خِلَافُ الْأَوْلَى لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ ارْتِكَابُهُ لِضَرُورَةٍ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّوَضُّؤَ أُرِيدَ بِهِ فِي مَقَامَيِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعْنًى وَاحِدٌ لَا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَوَّلًا: مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَغَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَتَنْظِيفُهُ، وَثَانِيًا: مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ حَتَّى يَنْدَفِعَ التَّدَافُعُ بَيْنَهُمَا، إِذَا تَقَرَّرَ، فَنَقُولُ: أَنَّ تَوَضُّأَهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ أَوَّلًا، وَعَدَمَهُ ثَانِيًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِثْلَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت