فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 616

التَّعَمُّدِ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ فَأَشَدُّ مِنْهُمَا عُذْرًا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَنْعُهُ عَنِ الْبَسْمَلَةِ إِلَّا جَهْرًا أَوْ لِسَانًا، فَحِينَئِذٍ يَكْتَفِي بِذِكْرِ اللَّهِ قَلْبًا، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّعَمُّدِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَصِيرُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ، فَكَذَا فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ.

فَرْعٌ.

نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوُضُوءِ، فَسَمَّى لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ، بِخِلَافِ نَحْوِهِ فِي الْأَكْلِ كَذَا فِي الْغَايَةِ، مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ، انْتَهَى.

وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَوْ سَمَّى بَعْدَ فَرَاغِ الْأَكْلِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّعَامِ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِيَمْنَعَ الشَّيْطَانَ وَبِالْفَرَاغِ لَا يُمْنَعُ، مَرْدُودٌ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِذَلِكَ فَحَسْبُ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَيْضًا لِيَقِيءَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ، وَالْمَقْصُودُ حُصُولُ ضَرَرِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَالَيْنِ، انْتَهَى.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِهَذَا الْغَرَضِ أَيْضًا لَأَمَرَ مَنْ قَعَدَ لِلْأَكْلِ، وَلَمْ يُسَمِّ سَابِقًا بِالتَّسْمِيَةِ لَاحِقًا، وَأَيْضًا فِي حَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ تَقْيِيدٌ يُفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَثْنَاءُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ، انْتَهَى. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَيُرَدُّ بِهِ الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ مُلْحَقًا بِهِمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (الْهَاشِمِيُّ الْبَصْرِيُّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا، (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ (أَنَّهُ) أَيْ عُمَرُ وَهُوَ رَبِيبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (طَعَامٌ فَقَالَ: ادْنُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ، أَمْرٌ مِنَ الدُّنُوِّ، أَيِ اقْرَبْ إِلَيَّ وَإِلَى الطَّعَامِ، (يَا بُنَيَّ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ شَفَقَةً وَاهْتِمَامًا بِحَالِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِهَا (فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى) أَمْرُ نَدْبٍ اتِّفَاقًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسَنُّ لِلْمُبَسْمِلِ الْجَهْرُ لِيُسْمِعَ مَنْ عِنْدَهُ، انْتَهَى.

وَكَوْنُهُ سُنَّةً يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ صَرِيحٍ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ جَهْرُهَا لِيَشْرُدَ الشَّيْطَانُ عَنْهُ; وَلِيَتَذَكَّرَ بِهَا رَفِيقُهُ، إِنْ كَانَ هُنَاكَ أَحَدٌ (وَكُلْ بِيَمِينِكَ) قَالَ مِيرَكُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ الثَّلَاثَةَ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلنَّدْبِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُ الْوَعِيدِ فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا، فَدَعَا عَلَيْهَا، فَأَصَابَهَا الطَّاعُونُ فَمَاتَتْ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت