تَقْدِيرِ هُوَ رَبُّنَا، أَوْ أَنْتَ رَبُّنَا اسْمَعْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ"غَيْرُ"بِالرَّفْعِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ، وَاضِحُ الْفَسَادِ، إِذْ ضَمِيرُ عَنْهُ لِلْحَمْدِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ وَجْهُ أَنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْضًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، فَلَا فَسَادَ حِينَئِذٍ أَصْلًا، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ:"رَبَّنَا"، حَيْثُ قَالَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ رَبُّنَا هَذَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ جَوَّزَ فِي نَصْبِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْمَدْحِ، أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ، أَعْنِي أَيْضًا خِلَافًا لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّدَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَفْضَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ.
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَدْعُوَ لَهُمْ، فَدَعَا فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي مَنْزِلِ سَعْدٍ، بِقَوْلِهِ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَسَقَاهُ آخَرُ لَبَنًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.
رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَفِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكَلًا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا، إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ الرَّجُلُ وَإِنْ شَبِعَ، حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةً.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ، أَيِ ابْنُ وَزِيرٍ قِيلَ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ مُسْتَمْلَى وَكِيعٍ، حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، مَمْدُودًا، فِي آخِرِهِ يَاءُ النِّسْبَةِ، (عَنْ بُدَيْلِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ، (بْنِ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيِّ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا (عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ مِنْ قَبِيلِ.
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي.
أَيْ طَعَامًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فِي سِتَّةٍ) أَيْ مَعَ سِتَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا أَيْ كَائِنًا فِي سِتَّةٍ، (مِنْ أَصْحَابِهِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الطَّعَامِ، (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ) أَيْ جَاءَ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ، وَشَرَعَ فِي الْأَكْلِ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَذْكُورَ (بِلُقْمَتَيْنِ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي لُقْمَتَيْنِ، وَالْمَآلُ وَاحِدٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ سَمَّى) أَيْ لَوْ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: بِسْمِ اللَّهِ (لَكَفَاكُمْ) أَيِ الطَّعَامُ بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ، وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْخِطَابِ الْأَعْرَابِيُّ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَكَفَانَا، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْأَذْكَارِ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مُتَّحِدَةً مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَكَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ بِعَيْنِهَا، قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْ شَرْحَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَمِنْ جُمْلَةِ الْحَاضِرِينَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.