الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ مُخْتَصًّا بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَبِفَضْلِ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَصْلِ أَيْضًا وَنُكْتَةُ التَّخْصِيصِ فِي مَاءِ زَمْزَمَ، هِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ التَّضَلُّعِ مِنْ مَائِهِ، وَفِي فَضْلِ الْوُضُوءِ هِيَ الْإِيمَاءُ إِلَى وُصُولِ بَرَكَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُسَنُّ الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا اتِّبَاعًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ تَبِعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِيَامِ الْمَخْصُوصِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى عُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، وَنَازَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ مِيرَكُ: ضَمِيرُ أَبِيهِ رَاجِعٌ إِلَى عَمْرٍو، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (عَنْ جَدِّهِ) رَاجِعٌ إِلَى أَبِيهِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَلَمْ يَرْوِ شُعَيْبٌ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ النُّقَّادِ كَثِيرًا مَا وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بِلَفْظِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَحَدِيثُهُ مُتَّصِلٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَرَادَ جَدَّهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ جَدَّ أَبِيهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الْأَفْضَلُ مِنْ أَبِيهِ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ تَلَقِّيًا وَأَخْذًا لِلْعِلْمِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِينَئِذٍ فَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ وَرِوَايَتُهُ مُحْتَجٌّ بِهَا، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهَذَا السَّنَدِ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ لَا سِيَّمَا الْبُخَارِيِّ، خَرَّجَ لَهُ فِي الْقَدَرِ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِقَرَائِنَ أَثْبَتَتْ عِنْدَهُمْ سَمَاعَهُ مِنْ جَدِّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُ خَالَفَ الْآخَرُونَ نَظَرًا لِاحْتِمَالِهِ الِانْقِطَاعَ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ مَعَ كَوْنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَزَعْمُ أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الْإِسْنَادَ مِنْ صَحِيفَةٍ لَا اعْتِدَادَ بِهَا لَمْ يَثْبُتْ هُوَ وَلَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إِذَا عَرَضَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَالْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِهِ، (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ) أَيْ أَبْصَرْتُهُ (يَشْرَبُ قَائِمًا) أَيْ نَادِرًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَحَمْلُ النَّهْيِ عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، أَوْ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِخُصُوصِيَّةٍ، (وَقَاعِدًا) أَيْ مِرَارًا كَثِيرَةً لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَالْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَعَادَتِهِ الْأَجْمَلِ، وَهُمَا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: أَيْ حَالَ كَوْنِهِ شَارِبًا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ