فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 616

لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَالْخَبَرَ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَا فُضُولَ فِي كَلَامِهِ وَلَا تَقْصِيرَ فِي تَحْصِيلِ مَرَامِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا فَلَا عَاطِفَةٌ فَالْمَعْنَى أَنَّ كَلَامَهُ فَصْلٌ لَيْسَ بِفُضُولٍ، وَلَا تَقْصِيرٍ، وَلَا الثَّانِيَةُ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَإِلَى هُنَا انْتَهَى مَا يُعْلَمُ بِهِ كَيْفِيَّةُ كَلَامِهِ الْوَافِي بِالْمَرَامِ وَصِفَةُ مَنْطِقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَانَ الرَّاوِي ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ اسْتِطْرَادًا مُتَطَوِّعًا فِيهِ، وَاعْتِضَادًا لَمَّا خَطَرَ فِي خَاطِرِهِ أَنَّ لِلسَّائِلِ فِي مَعْرِفَةِ جَمِيعِ أَخْلَاقِهِ مُرَادًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَجْرِي الْكَلَامُ عَلَى الْكَلَامِ، وَلَوِ اعْتَنَى بِبَاقِي الْحَدِيثِ لَحُمِلَعَلَى مَعَانٍ تُنَاسِبُ الْكَلَامَ فِي الْمَرَامِ، فَقَوْلُهُ (لَيْسَ بِالْجَافِي) أَيِ: الْعَدِيمِ الْبِرِّ قَوْلًا وَفِعْلًا مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَفَاءِ خِلَافَ الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ، بَلْ بِرُّهُ حَصَلَ لِلْأَجَانِبِ، فَضْلًا عَنِ الْأَقَارِبِ، وَوَصَلَ عَلَى الْأَعْدَاءِ ; فَكَيْفَ إِلَى الْأَحِبَّاءِ ; لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مُهْدَاةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلْعَالَمِينَ أَوْ لَيْسَبِالْفَظِّ الْغَلِيظِ الْخِلْقَةِ وَالطَّبْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ الْآيَةَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ"مَنْ بَدَا جَفَا"أَيْ: سَكَنَ الْبَادِيَةَ غَلُظَ طَبْعُهُ لِقِلَّةِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، وَالْجُفَاءُ: غِلَظُ الطَّبْعِ. ذَكَرُهُ فِي النِّهَايَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَجْفُوَا بِأَصْحَابِهِ بَلْ يُحْسِنُ إِلَى كُلٍّ فِي بَابِهِ (وَلَا الْمَهِينِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنَى الْحَقِيرِ أَيْ مَا كَانَ حَقِيرًا ذَمِيمًا بَلْ كَانَ كَبِيرًا عَظِيمًا تَغْشَاهُ مِنْ أَنْوَارِ الْوَقَارِ وَالْمَهَابَةِ، وَالْجَلَالَةِ مَا تَرْتَعِدُ مِنْهُ فَرَائِصُ الْكُفَّارِ، وَالْفُجَّارِ، وَتَخْضَعُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ جُفَاةُ الْأَعْرَابِ، وَتَذِلُّ لِعَظَمَتِهِ عُظَمَاءُ الْمُلُوكِ عَلَى كَرَاسِيِّهِمْ ; فَضْلًا عَنِ الْحِجَابِ بِالْأَبْوَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ فَفِي النِّهَايَةِ يُرْوَى بِفَتْحِ الْمِيمِ زَائِدَةٍ، وَالْفَتْحُمِنَ الْمَهَانَةِ، وَهُوَ الْحَقَارَةُ فَتَكُونُ الْمِيمُ أَصْلِيَّةً انْتَهَى. فَعَلَى الْأَوَّلِ أَجْوَفٌ، وَعَلَى الثَّانِي صَحِيحٌ ; فَتَأَمَّلْ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ ; فَيَكُونُ كَمَا وَرَدَ فِي وَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ مَذَلَّةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ جَافٍّ لِلْأَحِبَّاءِ، وَلَا ذَلِيلٍ لَدَى الْأَعْدَاءِ بَلْ مُتَوَاضِعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمُتَكَبِّرٌ عَلَى الْمُتَجَبِّرِينَ ; فَيُطَابِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيُوَافِقُ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (يُعَظِّمُ) بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ (النِّعْمَةَ) أَيْ: يَقُومُ بِتَعْظِيمِهَا قَوْلًا بِحَمْدِهِ، وَفِعْلًا بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهِ فِي صَرْفِهَا لِمَرْضَاةِ رَبِّهِ (وَإِنْ دَقَّتْ) أَيْ: وَإِنْ صَغُرَتْ، وَقَلَّتِ النِّعْمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ نِعْمَةً ظَاهِرِيَّةً أَوْ بَاطِنِيَّةً دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً.

فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْخَلِيلِ جَلِيلٌ.

وَمَا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ (لَا يَذُمُّ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ النِّعْمَةِ (شَيْئًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت