فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 616

وَضْعًا مُسْتَحْدَثًا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ الْمَوْثُوقُ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وَلَا الْعُلَمَاءُ الْأَثْبَاتُ الَّذِينَ تَلَقَّوْهَا عَنْهُمْ، وَاحْتَاطُوا، وَتَأَنَّقُوا فِي تَلَقِّيهَا، وَتَدَاوِينِهَا ; فَيَضِلُّ، وَيُضِلُّ وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ; فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَجْرِي مِنْهُ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ.

قُلْتُ لَوْ حُمِلَ مَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى مَا تَدَاوَلَتْهُ الْعَرَبُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْيَدِ، وَالْعَيْنِ، وَالِاسْتِوَاءِ، وَغَيْرِهَا لِوُقُوعِ جَمِيعِ النَّاسِ فِي فَسَادِ الِاعْتِقَادِ مِنَ التَّجْسِيمِ، وَالتَّشْبِيهِ، وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ رَبُّالْعِبَادِ.

فَالْمَخْلَصُ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا التَّفْوِيضُ، وَالتَّسْلِيمُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، أَوِ التَّأْوِيلُ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ دَفْعًا لِتَوَهُّمٍ فَوَهْمُ الْعَوَامِّ كَمَا سَبِيلُ غَالِبِ الْخَلَفِ، وَالثَّانِي أَضْبَطُ وَأَحْكَمُ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا) أَيْ: حَضَرْتُهُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) حَالَ كَوْنِهِ (أَتَى) أَيْ: جِيءَ (بِدَابَّةٍ) وَهِيَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ثُمَّ خَصَّهَا الْعُرْفُ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ (لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ) أَيْ: أَرَادَ وَضْعَهَا (فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ) قِيلَ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ نُوحٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ عَلِيًّا نَقَلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَأَسَّى بِهِ فِي ذَلِكَ ; فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَالُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ إِلَخْ.

قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ فِعْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ وَلَا بِدْعَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ كَمَا أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَذْكَارِ الْآتِيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ الْآيَةَ(فَلَمَّا اسْتَوَى) أَيْ: اسْتَقَرَّ (عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: عَلَى نِعْمَةِ الرُّكُوبِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْمَرْغُوبِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: تَعَجُّبًا مِنْ تَسْخِيرِ الدَّابَّةِ الْقَوِيَّةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالنَّاقَةِ لِلْإِنْسَانِ الضَّعِيفِ الْبِنْيَةِ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ) أَيْ: ذَلَّلَ (لَنَا) أَيْ: لِأَجْلِنَا (هَذَا) أَيِ: الْمَرْكُوبَ (وَمَا كُنَّا لَهُ) أَيْ: لِتَسْخِيرِهِ (مُقْرِنِينَ) أَيْ: مُطِيقِينَ لَوْلَا تَسْخِيرُهُ لَنَا (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا) أَيْ: حُكْمِهِ، وَأَمْرِهِ أَوْ قَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ أَوْ جَزَائِهِ، وَأَجْرِهِ (لَمُنْقَلِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَاسَبَ ذِكْرُهُ لِأَنَّ الدَّابَّةَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ بَعْدَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ لَا قَبْلَهُ لَا سِيَّمَا وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْمِنَّةِ الَّتِي يَجِبُ الْحَمْدُ عَلَيْهَا (ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: شُكْرًا لِلتَّسْخِيرِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي التَّكْرِيرِ إِشْعَارٌ بِتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ أَوِ الْأَوَّلُ: لِحُصُولِ النِّعْمَةِ، وَالثَّانِي: لِدَفْعِ النِّقْمَةِ، وَالثَّالِثُ: لِعُمُومِ الْمِنْحَةِ (وَاللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: تَعَجُّبًا لِلتَّسْخِيرِ (ثَلَاثًا) إِمَّا تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الصَّنْعَةِ، أَوِ الْأَوَّلُ: إِيمَاءٌ عَلَى الْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ فِي ذَاتِهِ، وَالثَّانِي: لِلتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ فِي صِفَاتِهِ، وَالثَّالِثُ: إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ الْمَكَانِيِّ، وَالِاسْتِعْلَاءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت