(وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: لِلْغُلَامِ. (يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ فَيَلْعَبُ بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ يَلْعَبُ بِهِ.
(فَمَاتَ فَحَزِنَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ، فَمَازَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟) .
قَالُوا فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ ; فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ عَلِمَ بِمَوْتِ النُّغَيْرِ. وَفِيهِ إِبَاحَةُ تَصْغِيرِ الْأَسْمَاءِ، وَإِبَاحَةُ الدُّعَابَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.
وَفِيهِ كَمَالُ خُلُقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ رِعَايَةَ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ الْأَصْفِيَاءِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ قُلْتُ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ غَرِيبٌ، وَاسْتِنْبَاطٌ عَجِيبٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا مِنْ أَيْنَ لَهُ ثُبُوتُ الْخَلْوَةِ مَعَهَا مَعَ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ابْنُهَا، وَهُوَ خَادِمٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاضِرٌ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ فِعْلُهُ هَذَا مَعَ نَهْيِهِ عَنْهُ مُوجِبٌ لِلْقَوْلِ بِالِاخْتِصَاصِ إِذْ حُرْمَةُ الْخَلْوَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ إِجْمَاعِيَّةٌ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خِلَافًا لَا سَلَفًا، وَلَا خَلَفًا وَلَوْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَالْمَلَاحِدَةِ وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَوْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، وَالْمَرْأَةُ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةَ لَمَا حَلَّ الِاخْتِلَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَرَدَتْ عَلَى إِطْلَاقِهَا لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْغَلَبَةِ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْجَارِيَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا وَنَحْوَهَا، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ أَبْحَاثًا لَطِيفَةً وَنُقُولًا شَرِيفَةً أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهَا، وَأُحَقِّقَ عَجْرَهَا وَبَجْرَهَا مِنْهَا قِيلَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ مَكَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ وَأَيُّ دَلَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ الطَّيْرَ مِنْ أَيْنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ اصْطِيدَ فِي الْحَرَمِ، وَلَيْسَ احْتِمَالُ اصْطِيَادِهِ فِيهِ أَوْلَى مِنِ احْتِمَالِ اصْطِيَادِهِ خَارِجَهُ. قُلْتُ: هَذَا خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ آدَابِ الْبَحْثِ فَإِنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ وُجُودِ الصَّيْدِ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ مِمَّا اصْطِيدَ فِيهَا لِأَنَّهُ مَمْنُوعُ الْأَصْلِ، وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنَّهُ صِيدَ خَارِجَهَا فَيَصْلُحُ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَأَيُّ غَلَطٍ فِي الْقَوْلِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ الْقَائِلِ هُوَ أَنَّ الصَّيْدَ إِذَا أُخِذَ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَأُدْخِلَ فِيهِ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ حَتَّى لَوْ ذُبِحَ فِيهِ لَكَانَ مَيْتَةً هَذَا، وَالْقَوْلُ نُسِبَ إِلَى مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ صَيْدِ مَكَّةَ، فَهُوَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَمَالِ إِنْصَافِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ فَإِنَّ النَّوَوِيَّ لَيْسَ لَهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ كَذَا سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْكَبْرِيِّ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَهِيَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ انْتَهَى.
فَهُوَ نَقْلٌ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَعَ مَا يُرَادُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُقْتَضَى الْعُقُولِ، وَالنُّقُولِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ بَيْتٍ بِهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا كَانَ هُنَالِكَ مَانِعُ خَلْوَةٍ مِنْ نَحْوِ امْرَأَةٍ أُخْرَى مَعَهَا، وَهُمَا اثْنَتَانِ يَحْتَشِمُهُمَا أَوْإِحْدَاهُمَا، وَإِلَّا حَرُمَتْ خَلْوَةُ الرَّجُلِ بِهِمَا أَوْ مَحْرَمٌ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا عَلَى بَحْثٍ مِنْهُ انْتَهَى. وَفِيهِ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا نَفْيًا، وَلَا إِثْبَاتًا نَعَمِ الظَّاهِرُ أَنَّ أُمَّ أَنَسٍ تَكُونُ فِي الْبَيْتِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ دُخُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ