فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 616

بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقَصِيدَةُ أَيْ: فَلَتَأْثِيرُهَا (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أَيْ: أَعْجَلُ وَأَنْفَعُ فِي قُلُوبِهِمْ أَوْ فِي إِيذَائِهِمْ (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) أَيْ: مِنْ رَمْيِهِ مُسْتَعَارٌ مِنْ نَضْحِ الْمَاءِ، وَاخْتِيرَ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ نُفُوذًا وَأَعْجَلَ سِرَايَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ هِجَاءَهُمْ أَثَّرَ فِيهِمْ تَأْثِيرَ النَّبْلِ، وَقَامَ مَقَامَ الرَّمْيِ فِي النِّكَايَةِ بِهِمْ بَلْ هُوَ أَقْوَى عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ الْمُشَافَهَةِ بِهِ كَمَا قِيلَ شِعْرٌ: جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامٌ.

وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ أَيِ: الْكَلَامُ وَلَوْ قِيلَ الْكَلَامُ مَكَانَ اللِّسَانِ لَكَانَ الْبَيْتُ مُطْلَقًا فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَيَانِ، وَالنَّبْلُ هُوَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهِ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ النَّبْلِ عَلَى الرُّمْحِ، وَالسَّيْفِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا، وَأَسْرَعُ تَنْفِيذًا مَعَ إِمْكَانِ إِيقَاعِهِ مِنْ بُعْدٍ إِرْسَالًا، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمَا دَفْعًا وَعِلَاجًا.

رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

"إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ، وَلِسَانِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِنَضْحِ النَّبْلِ".

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَشِعْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَيَانُ هَجْوِ الْكُفَّارِ، وَأَذَاهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجِهَادِ فِيهِمْ، وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ فِي الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ بَيَانًا لِنَقْصِهِمْ، وَالِاقْتِصَارِ مِنْهُمْ بِهِجَائِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكِ) بِكَسْرٍ فَتَخْفِيفٍ (بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بِفَتْحٍ وَضَمٍّ (قَالَ جَالَسْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ وَكَانَ) بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ فَكَانَ (أَصْحَابُهُ) أَيْ: فِي جَمِيعِ الْمَجَالِسِ أَوْ فِي بَعْضِهَا (يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ) أَيْ: يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنْ يُنْشِدَ الشِّعْرَ الْمَحْمُودَ، وَالْإِنْشَادُ هُوَ أَنْ يَقْرَأَ شِعْرَ الْغَيْرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُنَاشِدُونَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ (وَيَتَذَاكَرُونَ) أَيْ: فِي مَجَالِسِهِمْ دَائِمًا أَوْ أَحْيَانًا (أَشْيَاءَ) أَيْ: مَنْظُومَةً أَوْ مَنْثُورَةً (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي بَعْضِهَا: مِنْ أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ (وَهُوَ سَاكِتٌ) أَيْ: غَالِبًا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّحَيُّرِ فِي اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَعُقْبَاهُ، أَوِ الْمَعْنَى سَاكِتٌ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ، وَذِكْرِ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لِحُسْنِ خُلُقِهِ فِي عِشْرَتِهِمْ وَزِيَادَةِ أُلْفَتِهِمْ، وَمَحَبَّتِهِمْ بِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ مُبَاحَاتِهِمْ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ نِيَّاتِهِمْ، وَأَخْذِ الْفَوَائِدِ، وَالْحِكَمِ مِنْ حِكَايَاتِهِمْ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعَارِفِينَ فِي مُشَاهَدَاتِهِمْ.

فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدُ.... دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

(وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَبَسَّمُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (مَعَهُمْ) أَيْ: مَعَ أَصْحَابِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَتَبَسَّمُ عَلَى رِوَايَاتِهِمْ، وَبَيَانِ حَالَاتِهِمْ، وَتَحْسِينِ مَقَالَاتِهِمْ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:

مِمَّنْ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْبَابِهِ.

مَا نَفَعَ صَنَمٌ أَحَدًا مِثْلَ مَا نَفَعَنِي صَنَمِي

فَإِنِّي جَعَلْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ.... لِمَا كَانَ لِي مِنَ الْكَيْسِ

فَنَفَعَنِي فِي زَمَنِ الْقَحْطِ.... وَمَنْ كَانَ مَعِيَ مِنَ الرَّهْطِ

فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَقَالَ الْآخَرُ:

رَأَيْتُ ثَعْلَبًا صَعِدَ فَوْقَ صَنَمِي.... وَبَالَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى عَمِيَ

فَقُلْتُ أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ.

فَتَرَكْتُ طَرِيقَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَدَخَلْتُ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت