قَوْلُهُ تَعَالَى وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ ; فَإِنْ صَحَّ وَلَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ وَيَكُونُ فَاعِلُهُ بِمَعْنَى مَفْعُولِهِ أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ ذَبْحُهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَقَالَ) أَيِ: الزَّوْجُ الثَّانِي (كُلِي أُمَّ زَرْعٍ) أَيْ: يَا أُمَّ زَرْعٍ (وَمِيرِي) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: أَعْطِي (أَهْلَكِ) وَتَفَضَّلِي عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْمِيرَةِ، وَهِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يَمْتَارُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ: يَجْلِبُهُ لِأَهْلِهِ يُقَالُ مَارَ أَهْلَهُ يَمِيرُهُمْ مَيْرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ثُمَّ وَصَفَتْ كَثْرَةَ نِعَمِ أَبِي زَرْعِ، وَكَرَمِهِ بِقَوْلِهَا (فَلَوْ جَمَعْتُ) أَيْ: أَنَا (كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ) أَيْ: هَذَا الزَّوْجُ (مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ) أَيْ: قَيْمَتِهَا أَوْ قَدْرِ مَلْئِهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِبَارَةِ: مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ، وَلِذَا قِيلَ الشَّيْبُ نِصْفُ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ وَقَالَ تَعَالَى فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا وَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ أَحَبِيَّةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَتْ عَائِشَةُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ) أَيْ: فِي أَخْذِكِ بِكْرًا وَإِعْطَائِكَ كَثِيرًا لَا فِي الطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ قِيلَ، وَافْهَمْ مِنْ قَوْلِهِ: لَكِ، أَنَّهُ لَهَا كَأَبِي زَرْعٍ فِي النَّفْعِ لَا فِي الضُّرِّ الَّذِي جُمْلَتُهَا الطَّلَاقُ، وَالتَّزَوُّجُ عَلَيْهَا، وَكَانَ زَائِدَةٌ أَوْ لِلدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أَيْ: كَانَ فِيمَا مَضَى مِنَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَبَدًا عَلَى وَجْهِ الْبَقَاءِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَاعْتَرَضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الزَّائِدَةِ غَيْرُ عَامِلَةٍ فَلَا يُوصَلُ بِهَا الضَّمِيرُ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ فِي الْأَصْلِ وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ عَمَّا مَضَى إِلَى وَقْتِ تَكَلُّمِهِ بِذَلِكَ، وَأَبْقَى الْمُسْتَقْبَلَ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فَأَيُّ حَاجَةٍ مَعَ ذَلِكَ إِلَى جَعْلِهَا لِلدَّوَامِ إِذْ هُوَ خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَضَرُورَةِ حَاجَةٍ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ ذِكْرِهِنَّ وَحَدِيثِهِنَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ فِي الْأُلْفَةِ وَالرَّفَاءِ لَا فِي الْفُرْقَةِ وَالْخَلَاءِ وَالرَّفَاءُ: الِاجْتِمَاعُ وَالْمُرَافَقَةُ، وَمِنْهَا رَفَوْتُ الثَّوْبَ أَيْ: جَمَعْتُهُ وَالْخَلَاءُ الْمُبَاعَدَةُ وَالْمُجَانَبَةُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ"حَتَّى فِي الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهُ سَيُفَارِقُهَا، وَتُحْرَمُ مِنْ مَنَافِعَ دِينِيَّةٍ كَانَتْ تَأْخُذُهَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَالشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمَرْفُوعُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَرْعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ وَبَاقِيهِ