عِيدِ الْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ، وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنْ يُصَامَ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَجَابَ ابْنُ جَوْزِيٍّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْعِيدِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِوَاءَهُ مَعَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَمَنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرُهُ انْتَفَتْ عَنْهُ صُورَةُ التَّحَرِّي بِالصَّوْمِ قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ، وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَقِيلَ سَبَبُ النَّهْيِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ كَمَا خَشِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِيَامِهِمُ اللَّيْلَ فِي التَّرَاوِيحِ لِذَلِكَ وَدَفَعَ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِإِجَازَةِ صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَجَازَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ لِجَوَازِهِ بَعَدِّهِ مُنْفَرِدًا عِنْدَنَا أَوْ مُنْضَمًّا اتِّفَاقًا مَعَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا مُعْتَنِينَ إِلَّا بِصَوْمِهِ وَحْدَهُظَنًّا لِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ، وَلِذَا قِيلَ سَبَبُ النَّهْيِ خَوْفُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ بِحَيْثُ يُفْتَتَنُ بِهِ كَمَا أَفْتُتِنَ قَوْمٌ بِالسَّبْتِ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَتَعْلِيلِيٌّ لَائِحٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيُّ هَذَا ضَعِيفٌ مُنْتَقَضٌ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَظَائِفِ الْيَوْمِ.
فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ عُمُومَ الصَّوْمِ الشَّامِلِ لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ وَسُكَّانِ الْبَادِيَةِ، وَالْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مِنَ الْعَبِيدِ، وَالْأَحْرَارِ لَيْسَ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِشُرُوطٍ فِي وُجُوبِهَا، وَصِحَّةِ أَدَائِهَا مَعَ أَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ صَلَاةِ الظُّهْرِ الْمُؤَدَّاةِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَالْفَصْلُ بَاهِرٌ.
وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ بِقَوْلِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِدًا أَنَّهُ يَوْمُ دُعَاءٍ، وَعِبَادَةٍ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّكْبِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَإِكْثَارِ ذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَاسْتَحَبَّ الْفِطْرَ فِيهِ لِيَكُونَ أَعْوَنَ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْوَظَائِفِ،، وَأَدَائِهَا بِنَشَاطٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الْحَاجِّبِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّ السُّنَّةَ لَهُ الْفِطْرُ فِيهِ.
فَفِيهِ أَنَّهُ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ لِمَنْ يَضْعُفُ بِالصِّيَامِ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ أَوْ أَنَّ النَّهْيَ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا زَالَتِ الْكَرَاهَةُ بِصَوْمِ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِفَضْلِ الصَّوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مَا يَجْبُرُ مَا قَدْ يَحْصُلُ مِنْ فُتُورٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي وَظَائِفِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ صَوْمِهِ.
فَمَعَ كَمَالِ بُعْدِهِ مَرْدُودٌ بِمَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْجُبْرَانَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الصَّوْمِ بَلْ يَحْصُلُ بِجَمْعِ الْأَفْعَالِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ إِفْرَادِهِ لِمَنْ عَمِلَ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا يَقُومُ مَقَامَ صِيَامِ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مَثَلًا، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَدْ أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ وَصَوْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ قَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ، وَيَكْفِي لِبَيَانِ الْجَوَازِ صَوْمُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ثُمَّ اسْتِقْبَالُ كُلِّ شَهْرٍ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِحُصُولِ الْبَرَكَةِ، وَوُصُولِ النِّعْمَةِ، وَلِتَقُومَ الثَّلَاثَةُ مَقَامَ الشَّهْرِ بِاعْتِبَارِ الْمُضَاعَفَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وَكَمَا وَرَدَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسَارَعَةَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْمُبَادِرَةَ إِلَى الطَّاعَاتِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحْسَنَاتِ ; فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٍ، فَلَا يُنَافِي حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا أَجَابَ عَنْهُ مِيرَكُ بِقَوْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ بِحَسْبِ